ارتباك واضح.. بنسعيد يثبت بجدارة أن عقلية الوزراء التجار تعرقل الإصلاح

مرة أخرى يجد محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والاتصال، نفسه في قلب موجة انتقادات واسعة عقب سحب مشروع المرسوم بقانون رقم 2.26.135 المتعلق بإحداث لجنة مؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر. ويتكرر المشهد بصورة محرجة تكشف اختلالاً في المقاربة التي يدير بها الوزير هذا الملف الحساس؛ فبدل أن يشكّل جسراً بين الحكومة والجسم الصحافي، تحولت مبادراته إلى سلسلة من التراجعات والهفوات التي تعكس ضعفاً في الرؤية وارتباكاً في التدبير.
وخلال ندوة صحافية عُقدت أمس، حاول الوزير تبرير قرار السحب قائلاً إن «السحب صار مسألة حتمية عندما انتقل النقاش إلى الشق السياسي». غير أن هذا التبرير بدا أقرب إلى محاولة لاحتواء تداعيات قرار فرضته ملاحظات الأمانة العامة للحكومة، التي رصدت اختلالات بنيوية في النص المقترح، كان يفترض تداركها قبل عرضه على المجلس الحكومي. وقد عززت هذه المعطيات الانطباع بأن القرار لم يكن خياراً سيادياً بقدر ما كان تراجعاً أمام معطيات قانونية واضحة، خاصة مع التأكيد على استمرار العمل ببطاقات الصحافة لسنة 2025 بشكل تلقائي إلى حين الحسم في الملف الذي أدارته الوزارة بكثير من الارتباك.
الارتباك بلغ ذروته مع تزامن هذا السحب مع قرار صادر عن المحكمة الدستورية سابقاً، قضى برفض بعض البنود الأساسية في القانون المنظم لـ«المجلس الوطني للصحافة». وقد اعتُبر هذا القرار صفعة قانونية جديدة لمقاربة اشتغلت على الملف دون إشراك كافٍ لفقهاء القانون وخبراء التنظيم الذاتي، ما فتح الباب أمام انتقادات تتحدث عن إقصاء الخبرات المستقلة واعتماد أسلوب تدبير يختزل القطاعات العمومية في منطق الغنيمة بدل منطق التوافق وبناء الثقة مع الفاعلين المهنيين.
وتكشف الوقائع مساراً متشابكاً من التناقضات التي تُضعف صورة التدبير السياسي للملف: مشروع مرسوم يُسحب في اللحظة الأخيرة بعد اتضاح صعوبة تطبيقه، وقانون يُعاد ترتيبه عقب تدخل دستوري حاسم، ومهنيون يعلنون رفضهم لمقاربة يرون فيها تجسيداً لعقلية «الوزراء التجار» الذين يتعاملون مع الإصلاح بمنطق الصفقة لا بمنطق المسؤولية. وفي المقابل، يواصل الوزير التأكيد على احترام الفصول الدستورية والتعهد بحسم المسار التشريعي قبل نهاية أبريل، غير أن هذا التسريع يبدو، في نظر كثيرين، محاولة لتجاوز الأزمة بدل معالجة جذورها.
مصادر مطلعة كشفت لـ«مغرب تايمز» أن ملاحظات الأمانة العامة للحكومة كانت حاسمة في الدفع نحو سحب المشروع، وهو ما يطرح تساؤلات مباشرة حول مسار إعداد النص منذ البداية: هل كان المشروع سيمر لولا تلك الملاحظات؟ وإذا كانت الاختلالات بهذا الحجم، فمن يتحمل مسؤولية إعدادها وعرضها على التداول الحكومي دون تدقيق كافٍ؟ هذه الأسئلة تعيد النقاش إلى صلب المشكلة المرتبطة بضعف منهجية الإعداد وغياب ضمانات حقيقية تحول دون تكرار الأخطاء نفسها بصيغ مختلفة.
المفارقة أن الوزير وجد نفسه مدافعاً عن قرار لم يكن في موقع قوته السياسية، وعن مشروع لم يُكتب له النجاح منذ بدايته. وكان بإمكان الوزارة تفادي هذا الإخفاق عبر إشراك الفاعلين المهنيين والخبرات المستقلة في صياغة تصور متوازن؛ غير أن الإصرار على فرض رؤية أحادية وتسريع وتيرة الإنجاز على حساب الجودة قاد القطاع إلى مأزق جديد، ورفع منسوب التوتر بدل بناء جسور الثقة بين الحكومة والصحافيين.
ويرى منتقدون أن جوهر الأزمة لا يرتبط بسحب مرسوم أو تأجيل مسطرة تشريعية، بل بغياب رؤية استراتيجية واضحة لقطاع يعاني أصلاً من تراكمات إصلاحية غير مكتملة. فالتعجيل في تمرير النصوص، دون انفتاح فعلي على التمثيليات المهنية الأساسية، قد يفاقم أزمة الثقة القائمة، خاصة في ظل رفض أي وصاية مباشرة أو غير مباشرة على المجلس. وعند هذه النقطة تحديداً يبرز جوهر الخلاف بين منطق التدبير السياسي السريع ومنطق الإصلاح المؤسسي المبني على التوافق.
في هذا السياق، يجد الوزير نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تصحيح المسار واستعادة الثقة داخل الجسم الصحافي؛ غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن المقاربة نفسها ما تزال حاضرة، بما تحمله من نزعة إلى التبرير أكثر من المراجعة. وبين خطاب رسمي يتحدث عن تجنب التسييس وواقع يكشف تراجعات متكررة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان المسار التشريعي المقبل سيعالج الأعطاب القائمة أم سيعيد إنتاجها في صيغة جديدة تؤكد أن بعض الوزراء يتحولون، بفعل اختياراتهم، من جسور للإصلاح إلى عوائق في طريقه.

تعليقات