آخر الأخبار

هلال رمضان في فرنسا: أزمة تمثيل أم مخاض تأسيس؟

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

  • أولاً: حين يكشف الهلال خلل البنية

ليس اختلاف يومي 18 أو 19 فبراير للصوم؛ مسألة فلكية. القمر واحد، والحساب واحد، لكن الإعلان يتعدد. هنا لا نتحدث عن جرم سماوي بل عن سلطة إعلان الزمن الديني.
عندما يعلن مسجد باريس الكبير تاريخًا، ويعلن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية تاريخًا آخر، فإن السؤال لا يعود: متى بدأ الشهر؟ بل يصبح: من يملك حق تعريف البداية؟
الهلال في فرنسا لم ينقسم في السماء، بل انقسم في المجال الرمزي.

  • ثانياً: الدولة الفرنسية وإدارة الإسلام
    من الخطأ تفسير التشظي باعتباره امتدادًا فقط لصراعات المغرب والجزائر وتركيا.
    ثمة عنصر مركزي غالبًا ما يُغفل: الدولة الفرنسية نفسها.
    منذ تأسيس المجلس الفرنسي سنة 2003، لم يكن الهدف خلق مرجعية فقهية عليا، بل إيجاد مخاطب مؤسسي يمكن للدولة التعامل معه.
    بعبارة أدق: لم يكن المشروع تأسيس “سلطة دينية”، بل تنظيم “تمثيل إداري”.
    وهنا يظهر التوتر البنيوي:
  • الدولة العلمانية لا تريد سلطة دينية مستقلة بالكامل.
  • لكنها تحتاج إلى بنية تمثيلية يمكن مساءلتها وضبطها.
    والنتيجة: تعددية إدارة وتدبير، لا وحدة مرجعية.
    قد لا يكون التشظي فشلًا، بل صيغة توازن مقصودة داخل نموذج علماني يخشى المركزية الدينية بقدر ما يخشى الفوضى.
  • ثالثاً: الإرث ما بعد الاستعماري
    لا يمكن تجاهل الخلفية التاريخية لمسجد باريس الكبير الذي تأسس تكريمًا لجنود مسلمين سقطوا في الحرب العالمية الأولى.
    هو مؤسسة فرنسية قانونيًا، لكنه مشحون برمزيات استعمارية وما بعد استعمارية.
    خلال التسعينات، ومع بروز شخصيات في سياق جزائري جد مضطرب أعقب اغتيال محمد بوضياف، تعزز الارتباط بين الفضاء الديني في فرنسا وصراعات النفوذ في بلدان الأصل.
    هكذا أصبح المسجد أكثر من مؤسسة عبادة:
    صار موقعًا لتمثيل رمزي، وساحة تنافس ناعم بين دول منشأ.
    لكن هذا التفسير وحده لم يعد كافيًا اليوم.
  • رابعاً: الجيل الجديد وتحول الهوية
    جيل الستينات والسبعينات كان يرى نفسه “مغربيًا أو جزائريًا في فرنسا”.
    أما الجيل الثاني والثالث فيعيش هوية مركبة: فرنسي مسلم.
    وهذا التحول يُحدث تصدعًا في فكرة التبعية لمرجعيات خارجية.
    الشاب المسلم المولود في ليون أو مارسيليا قد لا يرى في الرباط أو الجزائر العاصمة مرجعيته الطبيعية، كما لم يعد يقبل أن يُختزل تمثيله الديني في صراعات وطنية لا تخص تجربته اليومية.
    هنا يتغير السؤال: لم يعد: أي بلد نتبع؟ بل أصبح: هل يمكن إنتاج مرجعية تنبع من التجربة الأوروبية نفسها؟
  • خامساً: أزمة الشرعية
    الحديث عن “مرجعية أوروبية مستقلة” يبدو جذابًا نظريًا، لكنه يصطدم بسؤال حاسم:
    من يمنحها الشرعية؟ هل الدولة الفرنسية؟ هل العلماء؟ هل الجمهور المسلم؟ أم توافق أوروبي عابر للحدود؟
    في التاريخ الإسلامي، السلطة الدينية كانت إما مرتبطة بدولة، أو متجذرة في تقليد علمي عابر للسلطات السياسية.
    أما في السياق الأوروبي، فلا توجد دولة إسلامية تمنح غطاءً سياديًا، ولا مؤسسة علمية جامعة تحظى بإجماع واسع.
    إذن نحن أمام فراغ تأسيسي لا مجرد خلاف إجرائي.
  • سادساً: ثلاثة مسارات واقعية
    يمكن تصور ثلاث صيغ مستقبلية:
  1. استمرار التبعيّة الوطنيّة
    حيث يبقى كل مكون مرتبطًا بمرجعيته الأصلية.
    ميزة هذا النموذج: وضوح المرجعية.
    عيبه: تكريس الانقسام داخل الفضاء الفرنسي.
  2. مرجعية أوروبية مستقلة
    تقوم على اجتهاد مقاصدي ومؤسسات علمية عابرة للجنسيات.
    ميزتها: الانسجام مع واقع المواطنة.
    عيبها: صعوبة تأسيس شرعيتها.
  3. تعددية منظمة
    اعتراف بالتنوع المذهبي والوطني، مع تنسيق إلزامي في المسائل الجامعة (رمضان، العيدين). هذا النموذج قد يكون الأكثر انسجامًا مع البنية العلمانية التعددية.
  • سابعاً: هل نبحث عن وحدة أم عن صيغة تعايش؟
    هنا نصل إلى السؤال الجوهري: هل المشكلة هي غياب مرجعية موحدة؟ أم أن التعددية هي الحالة الطبيعية في مجتمع علماني ديمقراطي؟
    ربما يكون البحث عن “وحدة مركزية” إسقاطًا لنموذج الدولة-الأمة الإسلامية على فضاء مختلف جذريًا في بنيته السياسية.
    في هذا السياق، قد لا يكون تعدد الإعلانات فشلًا دينيًا، بل انعكاسًا لبنية اجتماعية لا تسمح بسلطة دينية مركزية مطلقة.
  • خلاصة: ما قبل التأسيس أم عجز بنيوي؟
    أزمة الهلال ليست أزمة فلك، ولا حتى أزمة فقه.
    إنها مؤشر على مرحلة انتقالية.
    السؤال الحقيقي ليس: لماذا يختلفون في رمضان؟ بل: هل الإسلام في أوروبا يعيش مرحلة “ما قبل التأسيس”؛ حيث تتشكل ملامح مرجعيته الجديدة؛ أم أنه سيظل في وضعية تمثيل مستعار، يتأرجح بين دول الأصل ودولة الإقامة دون أن ينتج سيادته الرمزية الخاصة؟
    إلى أن يُحسم هذا السؤال، سيظل الهلال كل عام يكشف ما هو أعمق من اختلاف يوم: يكشف عن هوية قيد التشكل، ومرجعية لم تُحسم بعد، وزمن ديني يبحث عمن يعلن بدايته باسم جماعة لم تتفق بعد على من يمثلها.
المقال التالي