لجنة مؤقتة برئاسة قاضٍ لتسيير الصحافة.. هل نحن أمام وصاية ناعمة على القطاع؟

تعيش الساحة الإعلامية الوطنية على وقع ترقب حاد لجلسة المجلس الحكومي المقررة اليوم الخميس، والتي تحمل في طياتها ملفات تشريعية مثيرة للجدل تمس صلب الحقل الإعلامي. فعلى طاولة النقاش يحضر مشروع قانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، إلى جانب مشروع مرسوم بقانون رقم 2.26.135 القاضي بإحداث لجنة خاصة مؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر. خطوة يصفها مراقبون بأنها تحمل بصمات «هندسة مركزية» للمشهد الإعلامي، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل استقلالية المهنة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تدبير شؤونها.
وتكشف التفاصيل المسربة التي توصلت إليها «مغرب تايمز» بشأن تركيبة هذه اللجنة الإدارية عن معطيات لافتة؛ إذ سيرأسها قاضٍ ينتدبه المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في سابقة غير مألوفة في تدبير شؤون قطاع حساس كالصحافة. وإلى جانبه، تضم اللجنة ممثلين عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إضافة إلى خبيرين في مجال الصحافة والنشر يعينهما رئيس الحكومة مباشرة. ومن أبرز الملاحظات التي استوقفت المهتمين أن مقترح إحداث هذه الهيكلة المؤقتة صدر عن الأمانة العامة للحكومة، لا عن وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ما يجعل دور الوزارة الوصية أقرب إلى المتابعة منه إلى المبادرة والتأطير.
صلاحيات اللجنة، كما وردت في المشروع، تمتد إلى تصريف الأعمال الإدارية والمالية للقطاع، والبت في الشكاوى المرتبطة بأخلاقيات المهنة، فضلاً عن تمديد صلاحية بطاقة الصحافة برسم سنة 2025 لتظل سارية طوال سنة 2026. ورغم أن هذا الإجراء يضمن نظرياً استمرارية عمل الصحافيين المهنيين، فإنه يثير في المقابل تساؤلات حول مدى احترام التوازن بين حماية المهنة وتكريس آليات رقابة مركزية قد تمس بجوهر استقلالها. فإسناد رئاسة اللجنة إلى قاضٍ يفتح نقاشاً أوسع بشأن حدود التداخل بين السلطة القضائية ومجال يفترض فيه أن يستند أساساً إلى التنظيم الذاتي والحرية المهنية.
في هذا السياق، يحذر عدد من الصحافيين من أن المرحلة الانتقالية قد تتحول إلى مساحة رمادية تُعرض فئات واسعة للحيف أو الانتقائية، في انتظار صدور القانون الجديد المنظم للمجلس الوطني للصحافة. وهو الملف الذي عرف، خلال ولاية الوزير المهدي بنسعيد، تجاذبات حادة عكست صراع رؤى بين من يدافع عن مؤسسة مهنية مستقلة ومتوازنة، ومن يميل إلى نموذج أقرب إلى الضبط الإداري والتوجيه السياسي، ولو على حساب المعايير المهنية الصارمة. وبين هذا وذاك، يظل السؤال معلقاً: هل ستنجح لجنة برئاسة قاضٍ وعضوية ممثلين عن مؤسسات دستورية في صون الحياد، أم أن الظرفية ستدفع بها إلى ممارسة «وصاية ناعمة» على قطاع يفترض أن يكون في صدارة ضمانات التعبير الحر؟
وبموازاة هذا الورش الإعلامي المثير، يتضمن جدول أعمال الحكومة مشاريع مراسيم أخرى، من بينها ما يتعلق بإعفاء الأراضي الفلاحية المملوكة للجماعات السلالية من واجبات المحافظة العقارية، وتنظيم الوصاية الإدارية على هذه الجماعات، فضلاً عن المصادقة على ملحق اتفاق التعاون مع ألمانيا والتعيين في مناصب عليا. غير أن الملف الإعلامي يظل الأكثر جذباً للنقاش العمومي، بالنظر إلى حساسيته وارتباطه المباشر بجوهر الممارسة الديمقراطية وضمانات حرية التعبير في المغرب، وهي رهانات تجعل كل تعديل تشريعي في هذا المجال محط تدقيق وانتظار.

تعليقات