آخر الأخبار

إرتفاع السردين إلى 50 درهماً يُشعل مخاوف الأسر حول غلاء المعيشة قبيل رمضان

تعرف الأسواق المغربية خلال الأيام الجارية التي تسبق شهر رمضان قفزة غير مسبوقة في أسعار السردين، حيث بلغ ثمن الكيلوغرام الواحد 50 درهماً، في تطور يثير مخاوف المستهلكين بالتزامن مع اقتراب الشهر الفضيل الذي يشهد إقبالاً متزايداً على المنتجات البحرية. ويأتي هذا الارتفاع المفاجئ بعد انتهاء فترة الراحة البيولوجية، التي كان منتظراً أن تعيد الوفرة إلى الأسواق، غير أن المعطيات الميدانية تشير إلى استمرار الندرة في هذه المادة الحيوية، مما يفجّر موجة استياء واسعة في صفوف الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، التي اعتادت الاعتماد على السردين كأحد المكونات الأساسية لمائدتها اليومية.

هذا الاستياء الشعبي لم يأت من فراغ، بل عبّر عنه مواطنون تحدثت إليهم «مغرب تايمز» اليوم الثلاثاء، في جولة ميدانية بعدد من الأسواق المحلية بفاس، مؤكدين قلقهم من تفاقم الضغوط على ميزانياتهم التي تنهكها أصلاً موجة ارتفاع الأسعار التي طالت خلال الأشهر الماضية مختلف المواد الأساسية. بعد فترة من التراجع النسبي في معدل التضخم العام، عادت أسعار الخضر والحبوب إلى الارتفاع مسجلة زيادات فاقت 15 في المائة، فيما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن بحوالي 12 في المائة، إلى جانب زيادات متواصلة في الزيوت ومواد استهلاكية أخرى. وهذه التطورات تساهم في ارتفاع كلفة سلة الاستهلاك اليومية وتؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، التي تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها الشرائية قبيل حلول الشهر الفضيل.

وبينما يتساءل المواطنون عن أسباب هذه الموجة الجديدة من الغلاء، يرجع مهنيون في قطاع الصيد البحري ارتفاع أسعار السردين إلى تداخل عدة عوامل، على رأسها استمرار تأثير الراحة البيولوجية خلال الأسابيع الماضية، التي تسببت في غياب شبه كلي للأسماك السطحية من الأسواق. ويؤكد ممثلو نقابات الصيد أن هذه الفترة تزامنت مع تراجع المخزون المجمد، الذي كان يُعتمد عليه لتغطية النقص في العرض، إلى جانب الاضطرابات الجوية الأخيرة وارتفاع الأمواج، التي أدت إلى تعليق رحلات عدد من قوارب الصيد التقليدي والساحلي، مما يضاعف الفجوة بين الكميات المعروضة والطلب المتزايد قبيل شهر الصيام.

غير أن هذه القراءة الفنية للارتفاع تخفي خلفها سياقاً اقتصادياً أكثر تعقيداً، حيث تعتبر نعيمة الفتحاوي، البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، أن الحكومة «للسنة الخامسة على التوالي ما تزال عاجزة عن إيقاف موجة ارتفاع الأسعار التي تنهك الأسر»، مشيرة إلى أن النمو الاقتصادي المسجل «لم يصل إلى جيوب المواطنين وبقي مجرد رقم في التقارير الرسمية». وتضيف البرلمانية ذاتها أن عودة التضخم في المواد الغذائية الأساسية تعكس محدودية أثر السياسات المتخذة، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط على الأسر التي تواجه أيضاً تحديات على مستوى سوق الشغل وغلاء الخدمات الأساسية.

فالواقع أن معاناة الأسر لا تتوقف عند حدود ارتفاع الأسعار، بل تمتد لتشمل أزمة تشغيلية حادة، حيث بلغ معدل البطالة نحو 13 في المائة سنة 2025، وهو من أعلى المستويات المسجلة خلال العقدين الأخيرين، ويبرز بشكل أكبر في صفوف الشباب وسكان المدن الكبرى وبعض الجهات ذات الهشاشة الاقتصادية. كما أن فقدان فرص الشغل لم يعد مقتصراً على حديثي التخرج، بل طال فئات ذات خبرة، مما يعكس تحديات هيكلية في دينامية التشغيل، فيما لم يتجاوز عدد المناصب المحدثة خلال السنوات الأخيرة 213 ألف منصب، مقابل هدف سابق كان يتحدث عن مليون منصب خلال خمس سنوات، مع تسجيل إغلاق أكثر من 12 ألف مقاولة صغيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والضرائب، مما أثر على النسيج الاقتصادي المحلي واستدامة فرص العمل.

ومما يزيد الطين بلة أن القطاع الفلاحي يواجه ضغوطاً إضافية بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، حيث تشير التقديرات إلى تراجع الإنتاج الزراعي بنحو 8 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، مقابل ارتفاع واردات الحبوب بحوالي 20 في المائة، مما يزيد من انكشاف السوق الوطنية على تقلبات الأسعار الدولية ويعيد النقاش حول الأمن الغذائي إلى الواجهة. أما بخصوص دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، فتفيد المعطيات بأن نسبة المستفيدين من برامج الدعم لم تتجاوز 18 في المائة من مجموع المقاولات، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية آليات المواكبة والتحفيز في ظل تركيز الاستثمارات العمومية على مشاريع كبرى.

وسط هذا المشهد المركب، يبقى الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة هو تحقيق نمو أكثر شمولاً، قادر على تحويل الأرقام الاقتصادية الكلية إلى تحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان الذي يضع القدرة الشرائية للأسر المغربية على المحك. وتبقى الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تطورات على مستوى تموين الأسواق واستقرار الأسعار، في وقت ينتظر فيه المواطنون إجراءات ملموسة تخفف من وطأة غلاء المعيشة، وتعيد الاعتبار لمواد أساسية كان السردين يومًا أحد أبرزها.

المقال التالي