تسهيلات لفئات مهنية وتنقل أكثر مرونة.. “مغرب تايمز” تكشف ملامح الإستراتيجية الأوروبية الجديدة

كشفت وثيقة استراتيجية حصلت عليها «مغرب تايمز» وصدرت عن «المفوضية الأوروبية» عن أول استراتيجية شاملة لـ«الاتحاد الأوروبي» بشأن سياسة التأشيرات، تهدف إلى تحديث وتوحيد إجراءات منح التأشيرات بين الدول الأعضاء، وجعل «منطقة شنغن» أكثر تنافسية وجاذبية على المستوى العالمي. وتأتي هذه الاستراتيجية في وقت تسعى فيه أوروبا إلى الموازنة بين متطلبات الأمن الداخلي والانفتاح على العالم الخارجي، في ظل تصاعد التحديات الجيوسياسية والهجرية، حيث تؤكد الوثيقة أن سياسة التأشيرات لم تعد مجرد قواعد إدارية، بل أصبحت جسراً استراتيجياً يربط أوروبا بالفرص العالمية.
وأوضحت المفوضية في وثيقة استراتيجيتها أن منطقة «شنغن» تبقى الوجهة الأكثر زيارة في العالم، حيث تستقطب نحو 40 في المئة من حركة السفر الدولية، مما يساهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الأوروبي، إذ تمثل السياحة حوالي 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد، وتوفر نحو 23 مليون وظيفة في مختلف القطاعات المرتبطة بهذا المجال الحيوي. وأشارت الوثيقة إلى أن السياح الدوليين أنفقوا حوالي 515 مليار يورو في الاتحاد الأوروبي خلال العام الماضي، مع تسجيل أعلى معدل إنفاق للفرد في فئة سياحة الأعمال.
وتشير الوثيقة التي درسها «مغرب تايمز» إلى أن نظام التأشيرات يشكل خط الدفاع الأول لأوروبا في مواجهة التحديات الأمنية الكبرى، بما في ذلك رصد الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب. وتسعى الاستراتيجية الجديدة إلى تطوير هذا النظام ليكون أكثر فعالية في الكشف المبكر عن المخاطر، مع الحفاظ على انسيابية حركة المسافرين الشرعيين. وتؤكد المفوضية أن التكنولوجيا الجديدة وتبادل المعلومات بين قواعد البيانات الأوروبية سيجعل النظام أكثر ذكاءً ومرونة في التصدي للتحديات الأمنية.
وتتضمن الاستراتيجية مقترحات طموحة لتجاوز السقف الزمني الحالي للتأشيرات متعددة الدخول، والذي لا يتعدى خمس سنوات، حيث تدرس المؤسسات الأوروبية بالتعاون مع الدول الأعضاء إمكانية منح تأشيرات أطول للمسافرين الموثوقين من فئات السياح ورجال الأعمال. وتعتبر المفوضية أن هذه التأشيرات طويلة الصلاحية تشكل آلية تحفيزية ومكافأة للمتقدمين الذين يمتلكون سجلات سفر قانونية ولا يشكلون أي مخاطر أمنية أو هجرية، مما سيقلص الأعباء الإدارية ويعزز التبادل الاقتصادي. كما تدرس المفوضية إمكانية تمديد صلاحية التأشيرات الحالية بعد تقييم جديد، أو إنشاء فئة جديدة كلياً للتأشيرات متعددة الدخول.
وتخطط المفوضية أيضاً لدراسة إمكانية منح استثناءات من قاعدة التسعين يوماً خلال مئة وثمانين يوماً لفئات مهنية محددة، مثل الفنانين المتجولين والرياضيين المحترفين والخبراء العاملين في مشاريع عابرة للحدود، وسائقي الشاحنات الذين يخدمون الشركات الأوروبية. ويهدف هذا المقترح إلى تسهيل تنقل هذه الفئات التي تتطلب طبيعة عملها تنقلاً متكرراً بين الدول الأعضاء، بما يخدم القطاعات الإبداعية والرياضية والعلمية، مع مراجعة الاتفاقيات الثنائية القائمة بهدف التخلص التدريجي منها.
وأشارت الوثيقة إلى عزم الاتحاد الأوروبي اعتماد مؤشرات جديدة لتقييم إمكانية إعفاء مواطني دول ثالثة من التأشيرة، بناءً على معايير دقيقة تشمل نسب رفض التأشيرات السابقة، وطلبات اللجوء غير المبررة، ودرجة التعاون في إعادة المهاجرين غير النظاميين، والمعايير الأمنية بما فيها التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. ومن المنتظر أن يتم الاتفاق النهائي على هذه المعايير خلال العام المقبل، مما سيمنح عملية تقييم الدول المرشحة للإعفاء مصداقية أكبر. وأوضحت المفوضية أن مراقبة أنظمة الإعفاء من التأشيرة كشفت عن تحديات كبيرة، حيث إن نحو ربع طلبات اللجوء المسجلة العام الماضي جاءت من مسافرين معفيين من التأشيرة.
وتعمل المفوضية على تعزيز آلية تعليق التأشيرة المنقحة التي تتيح للاتحاد الاستجابة بسرعة للتجاوزات والمخاوف الأمنية. وتشمل الآلية إمكانية فرض تدابير مثل تمديد فترات المعالجة، أو زيادة الرسوم، أو تعليق إصدار التأشيرات متعددة الدخول. كما تدرس المفوضية إمكانية توسيع نطاق الآلية لتشمل مجالات أخرى مثل التعاون الأمني، وإدارة الحدود، ومكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب المهاجرين.
وفي خطوة تعكس التوجه نحو رقمنة الخدمات القنصلية، سيتم إطلاق مكتب تجريبي في «الهند» لدعم إجراءات الهجرة القانونية لفائدة العاملين في قطاع المعلومات والاتصالات. ويتوقع أن يساهم هذا المشروع في تبسيط المساطر الإدارية لكل من غير مواطني الاتحاد وأرباب العمل الأوروبيين، مع إمكانية توسيع نطاق التجربة لتشمل قطاعات مهنية ودول أخرى مثل دول الشراكات الاستراتيجية في مجال الهجرة. كما تعمل المفوضية على إنشاء قاعدة مواهب أوروبية لتسهيل التوظيف وجذب الكفاءات من خارج الاتحاد.
وتعمل المفوضية بحسب ذات الوثيقة أيضاً على تطوير أنظمة المعلومات الخاصة بإدارة الحدود، حيث من المقرر أن يصبح نظام الدخول والخروج الإلكتروني كاملاً عند جميع نقاط العبور الحدودية بحلول أبريل 2026، بعد أن سجل أكثر من 20 مليون عملية دخول وخروج منذ إطلاقه في أكتوبر الماضي. كما سيتم إطلاق نظام المعلومات والترخيص الأوروبي للسفر خلال العام نفسه، بالإضافة إلى نظام «يوروداك» الجديد لتسجيل طالبي اللجوء في يونيو المقبل. وتهدف هذه الأنظمة إلى تعزيز الأمن وتسهيل حركة المسافرين النظاميين، مع العمل على تحقيق التشغيل البيني الكامل لقواعد البيانات بحلول 2028.
وتدرس المفوضية إمكانية إنشاء مكتب دعم تأشيرات تابع للاتحاد الأوروبي ضمن وكالة «فرونتكس»، لتقديم الدعم التشغيلي للقنصليات في معالجة الطلبات والكشف عن الوثائق المزورة، وتدريب الموظفين القنصليين لضمان معايير عالية في اتخاذ القرارات. كما تعتزم إطلاق دراسة شاملة حول ممارسات الاستعانة بمقدمي الخدمات الخارجيين في عملية التأشيرات، بهدف تحسين مراقبة الجودة ومنع أي تجاوزات محتملة في النظام.
وتؤكد الاستراتيجية على ضرورة تعزيز التعاون مع الدول الشريكة في مجالات الأمن وإدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية. وتشير إلى أن آلية تعليق التأشيرات المنقحة ستمكن الاتحاد من الاستجابة بسرعة وفعالية لأي إساءة استخدام لنظام الإعفاء من التأشيرة، مع الحفاظ على مصداقية السفر بدون تأشيرة كامتياز مشروط بالتعاون المستمر. وأعلنت المفوضية أنها ستقترح مراجعة تشريعية لمدونة التأشيرات خلال العام الجاري لتشمل تدابير أكثر مرونة واستراتيجية، بما في ذلك إمكانية فرض تدابير تقييدية في حالات التدهور الخطير للعلاقات مع دول ثالثة.

تعليقات