آخر الأخبار

إغلاق الحدود في وجه 16 مشتبها به في قضية التلاعب بالدقيق المدعم

تفجرت قضية التلاعب في الدقيق المدعم الموجه للفئات الفقيرة بعدد من جماعات وأقاليم جهة فاس مكناس عقب شكاية تقدم بها أحد أعيان إقليم تاونات، اتهم فيها أرباب مطاحن وسائقين وموظفين بالتورط في تحويل هذه المادة الأساسية عن وجهتها الحقيقية. الملف أعاد إلى الواجهة احتجاجات سابقة لسكان اشتكوا من قلة الحصص وصعوبة التزود بها، رغم تخصيص كميات مهمة للجهة.

الأبحاث التي باشرتها المصلحة الولائية للشرطة القضائية بولاية أمن فاس استغرقت أشهرا طويلة، قبل أن تحال نتائجها على الوكيل العام لاتخاذ المتعين قانونا. غير أن مستجدات قانون المسطرة الجنائية وضعت عراقيل أمام تحريك الدعوى العمومية، رغم ما تم تجميعه من معطيات وقرائن.

انطلاق البحث جاء إثر توصل الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بفاس بشكاية مجهولة المصدر نسبت إلى أحد أعيان تاونات، كشفت عن شبهات تزوير فواتير ووثائق لإخفاء الكميات الحقيقية من الدقيق المدعم وبيعه بأثمنة تتجاوز السعر المحدد قانونا، إضافة إلى إعادة توجيه حصص نحو الأسواق الأسبوعية وبيعها على أنها غير مدعمة، أو توزيعها على تجار الجملة وأصحاب المخابز لاستعمالها في مشتقات تباع بأرباح أكبر.

في السادس من مارس 2024 أحيلت الشكاية على الفرقة الجهوية للشرطة القضائية للتثبت من الاتهامات الموجهة إلى أصحاب مطاحن وموظفين بالمكتب الوطني للحبوب والقطاني بشأن التواطؤ في تحويل حصص مخصصة لجماعات تستفيد منها وفق معايير الحاجة ونسب الفقر. المرحلة الأولى من البحث لم تسفر عن نتائج حاسمة، قبل أن تعززها شكاية ثانية تضمنت تفاصيل أكثر دقة.

التحريات قادت إلى مداهمة مصنعين لإنتاج العجائن والكسكس بالحي الصناعي الدكارات بطريق مكناس وبمنطقة رأس الماء بعين الشقف التابعة لمولاي يعقوب، يملكهما مستثمر معروف في مجال تجارة الحبوب بمدينة فاس. وأسفرت العمليات عن حجز كميات كبيرة من الدقيق المدعم غير الصالح للاستهلاك.

الوكيل العام قرر إغلاق الحدود في وجه صاحب المصنعين ومنعه من مغادرة التراب الوطني إلى حين انتهاء البحث، غير أنه تمكن من مغادرة البلاد في ظروف غامضة. كما شمل قرار إغلاق الحدود أكثر من ستة عشر شخصا من بينهم موظفون وسائقون يشتبه في تورطهم في تحويل وجهة الشحنات مقابل مبالغ مالية. وأظهرت خبرات تقنية وانتدابات وجود اتصالات بين عدد من المشتبه فيهم، ما عزز فرضية وجود شبكة متشعبة.

حجز نحو 115 طنا من الدقيق المدعم غير الصالح للاستهلاك شكل محطة بارزة في مسار التحقيق الذي تواصل لأشهر، وتخللته عمليات استماع موسعة لأصحاب مطاحن وموزعين وسماسرة ووسطاء. وتم تفعيل مقتضيات المادة 49 من المسطرة الجنائية المتعلقة بسحب جوازات السفر وإغلاق الحدود لمدة محددة قابلة للتمديد لضرورة البحث.

التحريات امتدت لتشمل سائقين يشتبه في حصولهم على إتاوات مقابل نقل الدقيق المدعم إلى وجهات غير مخصصة للفئات الهشة، إضافة إلى موظفين يشتبه في تغاضيهم أو تواطئهم. وأسفرت الأبحاث عن تحديد مسؤوليات مختلفة وكشف خيوط شبكة يشتبه في استغلالها مادة أساسية موجهة للفقراء لتحقيق أرباح غير مشروعة، بما يمس الأمن الغذائي لفئات واسعة.

ورغم انتهاء البحث التمهيدي وإحالة المحاضر على الوكيل العام، فإن تحريك المتابعة يظل معلقا بسبب المقتضيات الجديدة للمسطرة الجنائية، خاصة المادة الثالثة التي تقيد إقامة الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام بوجود إحالة من جهات رسمية مختصة وبطلب من الوكيل العام لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة.

المقال التالي