آخر الأخبار

مدارس الريادة تحت المجهر… هل يتحول الإصلاح التربوي إلى صفقات بالمليارات؟

في الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على مشروع “مدارس الريادة” باعتباره مدخلاً أساسياً لإصلاح المنظومة التعليمية، يتصاعد نقاش واسع في الأوساط التربوية والحقوقية حول طريقة تقييم هذا المشروع، وحول الكلفة المالية التي رُصدت له، ومدى انسجام ذلك مع روح الدستور والقانون الإطار 51.17.

ويرى عدد من الخبراء في السياسات التعليمية أن إسناد مهمة تقييم المشروع إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، بدل تفعيل الأدوار الدستورية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عبر هيئته الوطنية للتقييم، يطرح أسئلة عميقة حول موقع مؤسسات الحكامة في هندسة الإصلاح. ويعتبر هؤلاء أن تجاوز مؤسسة دستورية مختصة قد يضعف منسوب الثقة في استقلالية التقييم، خاصة بعد صدور تقارير سابقة تحدثت عن محدودية الأثر البيداغوجي لبعض الإجراءات المرتبطة بمدارس الريادة.

في المقابل، يؤكد مهتمون بالشأن التربوي أن تخصيص مليارات السنتيمات لعمليات التدقيق الخارجي وجمع المعطيات الميدانية يبعث برسائل سلبية إلى نساء ورجال التعليم، إذ يُفهم – حسب تعبيرهم – على أنه تشكيك ضمني في كفاءة الأستاذ وفي مصداقية التقييمات التي تُنجز داخل الفصول الدراسية. ويستحضر هؤلاء تجارب دولية أثبتت أن بناء الثقة المهنية وتعزيز التكوين المستمر يحقق نتائج أكثر استدامة من منطق المراقبة الصارمة وربط الأداء بعتبات رقمية جامدة.

كما يثير اللجوء إلى مكاتب دراسات خاصة تساؤلات حول دور هيئة التفتيش التربوي، التي تضم أطرًا ذات خبرة طويلة في المواكبة والتقييم. فوفق منتقدين، كان من الممكن تعبئة هذه الكفاءات الوطنية بدل توجيه اعتمادات مالية كبيرة نحو خدمات خارجية، في وقت تعاني فيه مؤسسات تعليمية عديدة من خصاص في البنيات والتجهيزات.

ويحذر بعض المتتبعين من الانزلاق نحو مقاربة “النتائج السريعة” القائمة على مؤشرات كمية، معتبرين أن تجارب دولية سابقة أظهرت محدودية هذا النهج، بل وأفرزت آثارًا جانبية غير مرغوبة، مثل التركيز المفرط على الاختبارات وإهمال الجوانب التربوية الشاملة.

في المحصلة، يبدو أن مشروع مدارس الريادة لا يواجه فقط تحدي تحسين جودة التعلمات، بل أيضًا اختبارًا مؤسساتيًا يتعلق بكيفية تدبير الإصلاح، وبمدى احترام اختصاصات الهيئات الدستورية، وبقدرة الدولة على تحقيق توازن بين المحاسبة والثقة. فالإصلاح التعليمي، كما يؤكد خبراء، لا يُقاس فقط بحجم الميزانيات المرصودة، بل بمدى ترسيخ ثقافة تقييم مستقلة، وبناء علاقة شراكة حقيقية مع الفاعل التربوي داخل القسم.

المقال التالي