بعد لقاءات مدريد حول الصحراء.. موسكو تُبدي تحفّظها على المسار وتشدد على مرجعية الأمم المتحدة

في خضمِّ حراك دبلوماسي غير مسبوق شهدته العاصمة الإسبانية مدريد، يخرج الموقف الروسي ليؤكد تباينه مع التوجُّهات الأميركية في إدارة ملف الصحراء الغربية، معيداً التذكير بثوابته التقليدية إزاء هذا النزاع المستمر منذ عقود.
المحادثات التي احتضنتها قاعة الاجتماعات في مقر السفارة الأميركية بمدريد، على مدار يومَي الأحد والاثنين، جمعت وزراء خارجية الأطراف الأربعة المعنية: المغرب، والجزائر، وجبهة البوليساريو، وموريتانيا، في جولة هي الأولى من نوعها منذ تولت الإدارة الأميركية الحالية ملف الرعاية. اللافت أن موسكو لم تُوجَّه إليها دعوة للمشاركة من الجانب الأميركي المنظّم، في خطوة اعتبرت أوساط دبلوماسية إقصاءً واضحاً لأحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
على إثر ذلك، كشف أليكسي سولوماتين، السفير الروسي المعتمد لدى الجزائر، الموقف الرسمي لبلاده في تصريحات مطوَّلة خصَّ بها منصة إعلامية محلية ناطقة بالفرنسية. وأوضح الدبلوماسي أن موسكو لا تنوي مهادنة أي طرف على حساب مبادئها، قائلاً بنبرة حازمة: «موقف روسيا من نزاع الصحراء الغربية لم يتغيّر قيد أنملة. نحن نؤكّد مجدداً أن الحل الوحيد المقبول يجب أن يكون سياسياً بحتاً، وفقاً للقرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لا وفقاً لإرادة طرف بعينه». وأضاف السفير أن أي تسوية عادلة ودائمة ينبغي أن تستجيب لتطلعات جميع الأطراف المعنية من دون إقصاء أحد، مع الالتزام الصارم بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وضمان حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وهي العبارة التي تُعد من أكثر النقاط حساسية في الخطاب الدبلوماسي الدولي حول الملف.
وفي كشف جديد عن طبيعة العلاقة بين موسكو وواشنطن داخل أروقة مجلس الأمن، أفصح سولوماتين أن بلاده اختارت عمداً الامتناع عن التصويت على القرار الأممي رقم 2797، وهو النص الذي تقدمت به الولايات المتحدة في الحادي والثلاثين من أكتوبر الماضي، وكان الهدف منه تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) لعام كامل. وعلل الدبلوماسي الروسي هذا الموقف بقوله: «لم نتمكّن، بكل بساطة، من دعم نص غير متوازن كهذا، يراعي مصالح طرف على حساب آخر، ويتجاهل أُسس الشرعية الدولية». يُذكَر أن هذا الامتناع الروسي قوبل بارتياح في أوساط جزائرية وصحراوية، بينما اعتبرته أوساط مغربية موقفاً معيقاً للإجماع الدولي حول مغربية الصحراء.
ورغم هذه التحفّظات العلنية الواضحة على الصياغة الأميركية للقرارات الأممية، حرص السفير الروسي على عدم إغلاق باب الأمل نهائياً في وجه المسار التفاوضي. إذ أعرب، في ختام تصريحاته، عن تطلعه الصادق إلى أن يتمكّن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، الدبلوماسي السويدي المخضرم ستافان دي ميستورا، من تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتخاصمة سريعاً، والتوصّل في أقرب وقت إلى حل يلقى قبول الجميع. جاءت هذه الإشارة الإيجابية إلى دي ميستورا لتؤكد أن موسكو لا تعارض عملية السلام في حد ذاتها، بل تعارض ما تعتبره هيمنة أميركية على صياغة القرارات الدولية.
تأتي هذه التطوّرات الدبلوماسية لتضع مسار مدريد الوليد تحت مجهر الانتقادات الروسية المبطّنة، في وقت تبدو فيه موسكو متمسكة بدور مركزي وأساسي للأمم المتحدة كإطار وحيد لتسوية النزاع، بعيداً عمّا تعتبره «اختلالاً» في موازين القوى داخل مجلس الأمن، ومحاولات لفرض صياغات لا تحظى بتوافق دولي عريض. يترقّب المراقبون ما إذا كانت واشنطن ستدعو موسكو للمشاركة في الجولات المقبلة من مباحثات مدريد، أم أن الخلاف حول القرار 2797 سيترك تداعياته على مستقبل المسار التفاوضي الهش.

تعليقات