إسبانيا تُصنِّف سبتة “منطقة منكوبة”.. فهل يحظى الغرب بالمغرب بإجراءات مماثلة؟

في منعطفٍ يكشف التباين في آليات الاستجابة للكوارث الطبيعية بين الدول، أعلنت الحكومة الإسبانية رسمياً تصنيف مدينة سبتة المحتلة «منطقة منكوبة»، جراء العواصف والأمطار الغزيرة التي ضربت المنطقة، وذلك في خطوةٍ تلتها مباشرةً عملية فتح باب التقديم للحصول على تعويضات رسمية عن الأضرار المادية التي لحقت بالممتلكات الخاصة والعامة.
هذا القرار الإداري والقانوني الواضح اليوم يترجم إلى إجراءات ملموسة وتمويل مباشر للمتضررين، ويسلّط الضوء بقوة على الوضع الإنساني والقانوني المشتعل في الجانب الآخر من الحدود نفسها. ففي الوقت الذي يبدأ فيه سكان سبتة باستشراف مرحلة التعافي المضمون، لا تزال آلاف الأسر في مدن وأرياف المغرب، التي اجتاحتها الظواهر المناخية العنيفة نفسها وبقسوة مماثلة، تنتظر إطاراً قانونياً واضحاً يحدد مصيرها ويضمن حقها الأساسي في التعويض وإعادة البناء.
تتوالى المطالبات الرسمية داخل المغرب مطالِبةً بتطبيق مقاربة مماثلة. فقد وجّه المستشار البرلماني خالد السطي سؤالاً كتابياً عاجلاً إلى وزير الداخلية، استفسر فيه صراحةً عن «إمكانية تصنيف الفيضانات الأخيرة ضمن خانة الوقائع الكارثية»، وفق ما ينص عليه القانون الوطني. وحمل سؤاله تأكيداً على الحجم الكارثي للخسائر في أقاليم الغرب واللوكوس والشمال، داعياً إلى «تمكين جميع المتضررين من التعويضات المستحقة»، وإطلاق عمليات إعادة التأهيل بشكل منهجي ينهي المعاناة الإنسانية الممتدة.
من جهة أخرى، عبّر الحزب الاشتراكي الموحد عن موقف حاسم، ودعا في بيان رسمي إلى «الإعلان الفوري والقانوني» عن مدينة القصر الكبير ومنطقة الغرب باعتبارهما «مناطق منكوبة». ووصف البيان الوضع بأنه «كارثة إنسانية غير مسبوقة»، كاشفاً أن الفيضانات أدت إلى «إخلاء أكثر من مئة وخمسين ألف مواطن من منازلهم»، مع إشارة خاصة إلى أن «مدينة القصر الكبير أُخليت بالكامل، في سابقة تاريخية».
في خضم هذه المطالبات العاجلة، يبرز سؤال حاد حول مسؤولية الجهات الرسمية المباشرة في التعامل مع الكارثة. وقد أثار متابعون غياباً لافتاً لوزير التجهيز والماء، نزار بركة، عن ساحة الأحداث في المناطق الأكثر تضرراً، وخاصة مدينة القصر الكبير. ويُذكر أن بركة يمثل سياسياً الدائرة الانتخابية للقصر الكبير، ما يجعل غيابه عن زيارتها خلال هذه المحنة أمراً يزيد من حدة التساؤلات حول أولويات المسؤولين في أوقات الأزمات الوطنية الكبرى.
هذا الغياب يضاعف من حجم الاحتقان الشعبي، ويضعف من مصداقية الخطاب الرسمي حول «المتابعة الحثيثة» و«التعبئة العامة» التي تروّج لها الجهات الرسمية. فالحضور الميداني للمسؤولين في مثل هذه الظروف ليس مجرد زيارة بروتوكولية، بل رسالة تضامنية قوية وفحص عملي للواقع، يساعد في اتخاذ قرارات أكثر دقة واستجابةً للحاجات العاجلة على الأرض.
يعيد هذا التباين الواضح في التصنيف والاستجابة، إلى جانب غياب بعض المسؤولين ميدانياً، طرح سؤال جوهري حول معايير الإنصاف والمساواة في حماية المواطنين من تداعيات الكوارث الطبيعية التي لا تميّز بين الحدود. فبينما ينشئ الإطار القانوني في حالة سبتة «حقاً مكتسباً» للمتضرر في التعويض، ويترجم القرار السياسي إلى إجراءات عملية، يُترك المواطن المغربي في مناطق عديدة في حالة من «الالتماس والانتظار»، تعتمد على المبادرات الفردية أو التدخلات الاستعجالية المؤقتة، رغم كفاءتها، والتي قد لا تغطي كامل حجم الخسائر طويلة الأمد.
كما تبرز إشكالية أخرى تتمثل في البنية التحتية للاتصالات، حيث لا يزال بعض سكان الدواوير المتضررة يبلّغون عن صعوبات واجهوها أثناء الأزمة بسبب انقطاع شبكات الهاتف والإنترنت، ما عرقل عمليات طلب النجدة والتواصل مع فرق الإغاثة في اللحظات الحرجة، وهو ما يستدعي، وفق المراقبين، إعادة نظر شاملة في استراتيجيات التأهب والاستجابة للطوارئ.
يضع الوضع الراهن المسؤولية الوطنية أمام امتحان عملي حاسم. فالقرار الإسباني، بغضّ النظر عن السياق السياسي لسبتة، يقدّم نموذجاً إجرائياً محدداً وقابلاً للتنفيذ. والسؤال المطروح الآن لا يقتصر على «الإمكانية» القانونية، بل يمتد إلى «الإرادة» السياسية والإدارية لتبني مقاربة مماثلة تضمن كرامة المواطن المغربي وتحقق العدالة المجالية، عبر تحويل التعامل مع الكارثة من «تدبير أزمة» ظرفي إلى «إقرار حق» دائم في التعويض وإعادة البناء، بما يرسي سابقة قانونية وإنسانية تحفظ كرامة جميع المتضررين مستقبلاً.

تعليقات