آخر الأخبار

منعطف مدريد الجيوسياسي: الرؤية الملكية والدعم الأمريكي يرسمان معالم الحسم النهائي لمغربية الصحراء

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

بينما كانت العاصمة الإسبانية مدريد شاهدة على توقيع اتفاقيات الخروج الاستعماري عام 1975، عادت اليوم لتكون مسرحاً لتحول جيوسياسي جديد، برعاية أمريكية مباشرة ومكثفة. في منعطف تاريخي يعيد صياغة التوازنات في منطقة شمال إفريقيا والمتوسط، احتضنت مدريد – في مقر السفارة الأمريكية – اجتماعاً رفيع المستوى يُعد الأبرز منذ إعلان ترامب التاريخي في ديسمبر 2020. هذا اللقاء، الذي جمع الأطراف المعنية تحت رعاية واشنطن وبحضور المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، لم يكن مجرد جولة مفاوضات عادية لتدوير زوايا الجمود، بل كان تأكيداً على دخول ملف الصحراء المغربية مرحلة الحسم الدبلوماسي لرسم ملامح الحل النهائي الذي يتبنى المقترح المغربي للحكم الذاتي كأرضية وحيدة وحصرية للتسوية.

إن ما يشهده ملف الوحدة الترابية اليوم من تسارع نحو الحسم، هو الثمرة الناضجة لـدبلوماسية الحزم والوضوح التي يقودها بكل حكمة واقتدار صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله. لقد نجحت الرؤية الملكية السديدة وهندسته الهادئة في نقل الملف من دائرة التدبير اليومي إلى رحاب الحسم الاستراتيجي، حيث استطاع المغرب بفضل حنكة جلالته أن ينتقل من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة وفرض الأمر الواقع.

بفضل هذه القيادة الرشيدة، لم يعد المغرب ينتظر اعترافات دولية فحسب، بل صار هو من يحدد أجندة الحل ويضع قواعد الاشتباك الدبلوماسي. وقد تجلى ذلك بوضوح في الوثيقة التقنية التفصيلية التي قدمها الوفد المغربي في مدريد، والتي ناهزت الـ 40 صفحة. هذه الوثيقة لم تكن مجرد عرض سياسي، بل كانت هندسة مؤسساتية دقيقة تشرح تفاصيل الحكم الذاتي من منظور تنفيذي، إداري، وقضائي تحت السيادة المغربية الكاملة، مما يعكس نضج الدولة المغربية وقدرتها على تقديم حلول عصرية تنهي النزاع المفتعل وتضمن الاستقرار الإقليمي.

تكمن الأهمية الاستراتيجية للقاء مدريد في الثقل السياسي النوعي للوفد الأمريكي بقيادة مسعد بولس (المستشار الخاص للرئيس ترامب) ومايكل والتز (سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة). هذا التمثيل الرفيع يعلن انتقال الولايات المتحدة من دور الداعم السياسي إلى دور المهندس الميداني لطي هذا الملف نهائياً. إن اختيار مدريد مكاناً للقاء يبعث برسائل واضحة للجزائر وللمجتمع الدولي، مفادها أن ملف الصحراء قد دخل مرحلة التصفية النهائية ضمن استراتيجية واشنطن لتأمين الأطلسي وتعزيز الشراكة مع الرباط كحليف استراتيجي وحيد وموثوق.

وتشير التقارير الواردة من كواليس الاجتماع إلى أن واشنطن تتبنى الآن مقاربة الواقعية السياسية، حيث يتم الضغط لإخراج الملف من دهاليز المصطلحات المتجاوزة نحو حل عملي يتم حصراً في إطار السيادة المغربية. هذا التحول يضع الخصوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في التفاصيل التقنية للمقترح المغربي للحكم الذاتي، أو البقاء خارج قطار التاريخ الذي انطلق فعلياً من مدريد تحت الإشراف الأمريكي.

لا يمكن قراءة هذه الانتصارات الدبلوماسية بمعزل عن الدور الحيوي الذي يلعبه مغاربة العالم. إن الجالية المغربية، وخصوصاً في إيطاليا، تعبر اليوم بصوت واحد عن اعتزازها بمجهودات الدولة المغربية، وتنوه بالحكمة العالية لجلالة الملك في تدبير هذا الملف المصيري. بالنسبة لمغاربة الخارج، فإن مغربية الصحراء ليست مجرد موقف سياسي بل هي عقيدة وطنية ثابتة، وهم يتحولون اليوم إلى قوة ناعمة تدافع عن السردية الوطنية في قلب المؤسسات الدولية، مؤكدين التزامهم الدائم بالدفاع عن الوحدة الترابية والالتفاف وراء العرش العلوي المجيد في معركة البناء والنماء.

إن غياب بيان ختامي مشترك في مدريد لا يعكس تعثراً، بل يجسد صرامة الموقفين المغربي والأمريكي في رفض أي صيغ دبلوماسية رمادية لا تحسم السيادة. واشنطن، التي طار وفدها مباشرة لتقديم تقرير للرئيس ترامب، بصدد صياغة خارطة طريق قد تشكل أساس الجولة المقبلة من المفاوضات في واشنطن.

لقد أثبت المغرب في مدريد أنه يمتلك قوة الحل، بينما أظهر الخصوم الداعمين للجبهة الانفصالية انحسار خياراتهم أمام الواقعية الجديدة، وهو ما لم يعد مقبولاً في الأجندة الدولية. لقد دخلت القضية مرحلة اللاعودة نحو التثبيت الكامل للسيادة المغربية. إن روح مدريد 2026 هي تجسيد للتحالف المغربي-الأمريكي القوي، وترجمة ميدانية للعبقرية الملكية التي استطاعت تحويل نزاع مفتعل إلى فرصة لبناء قطب اقتصادي وأمني عالمي في الصحراء المغربية. إنها لحظة الحسم، والكلمة الأخيرة فيها ستكون للتنمية، للسيادة، وللوحدة الترابية المقدسة.

الله يصلح بلادنا ويقويها.

المقال التالي