آخر الأخبار

دموع أخنوش ونهاية زمن “القفف والبسطيلة”: عندما يغيب الراعي… هل يعيش الحزب؟

لم يكن المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الجديدة محطة تنظيمية عادية، بل لحظة كاشفة لنهاية مرحلة ارتبطت داخل الكواليس بـ«حزب أخنوش»، حيث تشكّل جزء كبير من حضور الحزب على دعم مالي ولوجستكيي سخي، من حافلات للتنقل وتنظيم فاخر، إلى موائد عامرة و”قفف جود” التي تحوّلت إلى رأسمال تعبوي يُستثمر سياسيًا في لحظات الحشد والتعبئة.

في الجديدة، بدا المشهد مختلفًا بوضوح،حيث غابت الحافلات المنظمة وتراجع البذخ، وظهر الحزب في صورة تنظيم يُجرب العيش دون راعٍ مباشر ،حيث ان تفاصيل الاستقبال والتنقل والإطعام لم تكن مجرد جزئيات لوجستيكية، بل مؤشرات على بداية فطام سياسي قاسٍ، يكشف هشاشة تنظيم تعوّد على الوفرة أكثر مما تعوّد على بناء قاعدة مستقلة.

وسط هذا التحول، تصدّرت دموع عزيز أخنوش المشهد ،نبرة وداع مثقلة بالامتنان والحنين، ثم بكاء حوّل المؤتمر من لحظة سياسية إلى مشهد وجداني جماعي ،لحظة إنسانية مؤثرة، لكنها سياسيا مربكة، لأنها بدت أقرب إلى حزن على نهاية زمن الاطمئنان والتنظيم المريح، لا إلى انتقال مؤسساتي هادئ نحو مرحلة جديدة.

عدوى التأثر انتقلت إلى قياديين ووزراء، فتحوّل المؤتمر إلى ما يشبه جنازة سياسية فاخرة لمرحلة “الوفرة” ،قاعة مكيفة تبكي على وداع زعيم تنظيمي، بينما في الخارج يراقب المواطنون المشهد ببرود، مثقلين بغلاء المعيشة وضيق الأفق الاجتماعي، في مفارقة صارخة بين حرارة الدموع وبرودة الواقع اليومي.

و غطّت العاطفة على الأسئلة الأكثر إحراجًا: هل سيستمر أخنوش في دعم الحزب ماليًا ولوجستيًا بعد مغادرته الرئاسة التنظيمية؟ أم أن “الحمامة” دخلت فعلًا مرحلة الفطام؟ المؤشرات الأولى، من تراجع التعبئة وغياب عدد معتبر من المؤتمِرين، توحي بأن جزءًا من الحماس الحزبي كان مرتبطًا بسخاء الراعي أكثر من ارتباطه بقوة الفكرة والتنظيم.

“قفف جود” والبسطيلة والحافلات لم تكن مجرد تفاصيل عابرة، بل أدوات تعبئة صنعت ولاء ظرفيا أكثر مما صنعت انتماءً طويل النفس، ومع تراجع هذا الدعم، ينكشف التنظيم أمام اختبار صعب: هل يمتلك أعيانه وقياداته الجرأة على تعويض الغياب المالي؟ أم أن زمن الحماس كان مشروطًا بالفاتورة المدفوعة سلفًا؟

هكذا خرج مؤتمر الجديدة بإعلان غير مباشر عن نهاية زمن “الوفرة”، وبداية امتحان وجودي لحزب اعتاد العيش في ظل راعٍ واحد ،امتحان حاسم: إمّا أن يتحوّل إلى تنظيم قادر على الوقوف بموارده الذاتية وقاعدته الاجتماعية، أو يكتشف متأخرًا أن الدموع، مهما كانت صادقة، لا تصنع حزبا متجذرا ولا مشروعا سياسيا مقنعًا.

المقال التالي