حوار: الخبير الاقتصادي أمين سامي يفكك كلفة فيضانات الشمال ويقترح إجراءات استعجالية

في ظل الأمطار الغزيرة والفيضانات التي عرفتها عدة مناطق من شمال المغرب، وما خلفته من خسائر مادية، عاد النقاش بقوة حول الكلفة الاقتصادية لهذه الكوارث الطبيعية، وحدود جاهزية السياسات العمومية في التعامل معها، خاصة بعد سنوات من الجفاف الحاد.
في حواره مع موقع مغرب تايمز، يسلط الخبير الاقتصادي أمين سامي الضوء على التداعيات الاقتصادية المباشرة للفيضانات على الفلاحة والبنيات التحتية والأنشطة المحلية، ويحلل أثرها على النمو بالمناطق المتضررة، كما يتوقف عند امتلاء السدود باعتباره مكسبا استراتيجيا مشروطا بحسن التدبير، قبل أن يحدد الأولويات الاقتصادية العاجلة ومسؤولية الحكومة في تضخيم الخسائر.
سؤال: ما هو التقدير الأولي للكلفة الاقتصادية للفيضانات الحالية، خاصة على الفلاحة والبنيات التحتية والأنشطة المحلية؟
على المستوى الفلاحي، خصوصا بمناطق الغرب واللوكوس، تتجلى قنوات الخسارة الرئيسية في تلف المحاصيل الموسمية والأعلاف، وتدهور جودة التربة نتيجة التشبع بالمياه والانجراف وترسيب الطمي، إضافة إلى نفوق الماشية أو تعرضها للأمراض، وتعطل سلاسل الإمداد المرتبطة بالنقل والتبريد والتسويق.
لكن هناك خسارة “غير مرئية” لا تقل أهمية، تتمثل في تأخر الدورة الزراعية، وهو ما يعني أن أثر الفيضانات قد يمتد لأشهر حتى بعد تراجع منسوب المياه.
أما على مستوى البنيات التحتية، فنتحدث عن كلفة رأسمالية مهدورة إلى جانب مصاريف الإصلاح والتشغيل، تشمل الطرق والقناطر وشبكات تصريف مياه الأمطار والتطهير والماء والكهرباء والاتصالات. وغالبًا ما ترتفع الفاتورة بسرعة، لأن أي انقطاع في محور طرقي أو قنطرة يضاعف الخسارة الاقتصادية، بسبب تعطيل سلاسل التموين وارتفاع كلفة الزمن والمخاطر المرتبطة بالسلامة.
وبخصوص الأنشطة المحلية، فإن الخسارة هنا هي “إيراد ضائع”، ناتج عن توقف التجارة والخدمات والنقل، إلى جانب تلف المخزون. فكل يوم توقف في مركز حضري أو سوق محلي يترجم إلى خسارة مباشرة للتجار وتأثير فوري على العمالة اليومية.
سؤال: إلى أي حد يمكن أن تؤثر عمليات ترحيل السكان وتوقف الأنشطة الاقتصادية على النمو بالمناطق المتضررة على المدى القريب؟
على المدى القريب، يظهر الأثر عبر ثلاث قنوات أساسية.
الأولى هي صدمة العرض، نتيجة توقف الإنتاج والخدمات.
والثانية صدمة الطلب، حيث تضطر الأسر إلى تحويل إنفاقها من الاستهلاك إلى الضروريات والترميم، مع تأجيل المشتريات، أما القناة الثالثة فتتعلق بالكلفة الرأسمالية، إذ تتلف أصول مادية كالمعدات والمخزون والمساكن، ما يؤدي إلى انخفاض مؤقت في الإنتاجية.
اقتصاديا، يمكن القول إن الناتج المحلي بالمناطق المتضررة يشهد انخفاضا سريعا خلال أسابيع. وقد يحدث لاحقا نوع من “الارتداد الجزئي” بفعل أشغال الإصلاح وإعادة البناء، شريطة ضخ السيولة بسرعة، غير أن هذا الارتداد لا يعوض الخسائر بالكامل، خاصة إذا تأخر التمويل أو طالت مدة توقف الأنشطة.
سؤال: رغم الخسائر، هل يمكن اعتبار امتلاء السدود مكسبا اقتصاديا استراتيجيا بعد سنوات الجفاف؟
نعم، من الناحية الاقتصادية، يعد امتلاء السدود أصلا استراتيجيا إذا أحسن تدبيره. فالمغرب انتقل من سنوات ضغط مائي حاد إلى ارتفاع مهم في المخزون، ما يقلص مخاطر العجز في ماء الشرب والري خلال الموسم القادم، ويعزز استقرار سلاسل الإنتاج الغذائي، خاصة الزراعات المسقية.
كما يساهم ذلك في تقليص كلفة الاستيراد تحت الضغط، خصوصا إذا تحسن عرض الأعلاف والحبوب لاحقًا. ويدعم هذا المعطى بلوغ نسبة ملء السدود حوالي 67 في المائة إلى حدود 9 فبراير 2026، أي ما يعادل نحو 11.238 مليار متر مكعب، وفق معطيات رسمية.
وقد سجلت بعض السدود وضعيات استثنائية، مثل سد واد المخازن الذي تجاوز سعته الاعتيادية، ما يعكس قوة الواردات المائية وسرعة الانتقال من الجفاف إلى الفائض.
غير أن هذا المكسب قد يتحول إلى خطر إذا استمرت هشاشة التهيئة أسفل السدود، وضعف قنوات التصريف الحضري، وغياب تدبير استباقي للتخزين والتفريغ مبني على نماذج هيدرولوجية دقيقة.
سؤال: ما هي الأولويات الاقتصادية العاجلة التي يجب على الحكومة اعتمادها لتقليص الخسائر ودعم المتضررين؟
الأولوية الأولى خلال الساعات والأيام الأولى تتمثل في خلق سيولة فورية للأسر والأنشطة الصغيرة، عبر تحويلات نقدية طارئة، ودعم الكراء المؤقت، وتعويض فقدان الدخل بالنسبة للعمالة اليومية، مع استهداف سريع وفعال.
ثانيًا، ضمان استمرارية الخدمات الحيوية، من خلال إعادة تشغيل الماء والكهرباء والاتصالات، وفتح المحاور الطرقية ذات العائد الاقتصادي الأعلى أولا، وفق منطق “اللوجستيك قبل كل شيء”.
أما على المستوى الفلاحي، فيجب التدخل بشكل عاجل عبر توفير علف مدعم، ودعم بيطري، وتعويض البذور والشتائل، وجدولة ديون الفلاحين، إلى جانب إصلاح قنوات السقي والطرق الفلاحية. كما يبقى إحداث “شباك موحد” محلي لتجميع الملفات وتسريع البت فيها خطوة أساسية لتفادي التعقيد الإداري.
سؤال: إلى أي حد تتحمل الحكومة مسؤولية تضخيم الخسائر بسبب ضعف الاستثمار الاستباقي في الوقاية؟
تحمل المسؤولية يقاس بسؤال بسيط: هل كانت الخسائر ستنخفض لو تم الاستثمار الاستباقي والتنفيذ الصارم؟ في الغالب نعم، وبشكل ملموس.
الوقاية الحضرية، مثل صيانة شبكات التصريف وتنظيف المجاري واعتماد حلول طبيعية كأحواض الاحتجاز، تعد أقل كلفة بكثير من الخسائر المسجلة. كما أن حكامة المخاطر تفرض ضبط التعمير في مجالات الغمر، وتحيين خرائط الخطر وجعلها ملزمة.
وإذا جرى استثمار مكسب امتلاء السدود في تعزيز الأمن المائي والغذائي، مرفوقًا ببرنامج وقاية حضري وفلاحي صارم، يمكن تحويل سنة 2026 من “سنة صدمة” إلى سنة لإعادة تسعير المخاطر، والانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الوقاية كاستثمار ذي عائد مرتفع.
خالد افرياض

تعليقات