آخر الأخبار

من فاس القديمة إلى طاطا.. رحلة المغرب مع الفيضانات عبر ثمانية قرون

تمتد علاقة المغرب مع ظاهرة الفيضانات عبر مسار زمني طويل، يحكي قصة تفاعل متواصل بين الإنسان وقوة الطبيعة. لطالما شكلت السيول والفيضانات تحدياً رئيسياً في مختلف العصور، تاركة بصماتها الواضحة في السجل التاريخي والجغرافي للمملكة.

وقد شهد القرن الرابع عشر للميلاد أحد أبرز الأحداث المبكرة، عندما اجتاحت مياه واد جواهر أجزاءً واسعة من مدينة فاس العتيقة. تسبب ذلك الفيضان التاريخي في دمار كبير للبنية التحتية والسكنية، ما شكل صدمة حضارية وفرض عملية إعادة بناء شاملة لبعض أحياء المدينة.

لم تتوقف مواجهة الفيضانات عند العصور الوسطى، بل امتدت إلى القرن العشرين حاملة معها كوارث أكبر. ففي منتصف ذلك القرن، وتحديداً عام 1950، هزت فاجعة «السبت الأسود» مدينتي فاس وتازة، تلتها بعد سنوات فيضانات حوض سبو عام 1963، التي سجلت أوسع مساحة مغمورة في تاريخ المغرب الحديث.

شكل عقد التسعينيات نقطة تحول نوعية، حين ضربت سيول جبلية مفاجئة منطقة أوريكا عام 1995. كانت تلك الكارثة بمثابة جرس إنذار حقيقي، دفع إلى مراجعة شاملة لاستراتيجيات التعامل مع السيول في المناطق الجبلية، وبداية عصر جديد من التخطيط الوقائي.

مع دخول الألفية الثالثة، استمرت التحديات بأشكال جديدة. ففي عام 2008، عانى شمال المغرب من فيضانات عارمة شلت الحركة في مناطق واسعة، بينما تسببت أمطار غزيرة عام 2010 في غرق أنفاق الدار البيضاء، كاشفة عن هشاشة بعض المنشآت التحتية في مواجهة الكميات الكبيرة من المياه.

تصاعدت حدة الأحداث عام 2014، حين حوصرت مدينة كلميم تماماً بسبب فيضانات الجنوب، ما عرّض سكانها للعزلة ووضع أنظمة الإغاثة في اختبار صعب. وجاءت فاجعة ملعب تيزيرت بتارودانت عام 2019 لتذكر الجميع بأن التحدي ما زال قائماً.

وصلت هذه الرحلة الزمنية الطويلة إلى محطة جديدة عام 2024، حين شهدت مناطق الجنوب الشرقي وطاطا سيولاً استثنائية أكدت استمرارية التهديد. شكلت هذه الأحداث المتتالية دافعاً قوياً لتطوير سياسات وطنية شاملة لمواجهة الفيضانات.

استجابت الدولة لهذا التحدي عبر عقود من خلال سياسات متعددة المحاور، تركزت على بناء السدود الكبيرة والصغيرة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين شبكات تصريف المياه، وتعزيز البنية التحتية المقاومة للسيول.

أنتجت هذه الجهود تراكماً معرفياً وتقنياً ملموساً، تجسد في تقليل الخسائر البشرية والمادية في العديد من الحوادث الحديثة مقارنة بما كانت عليه في الكوارث التاريخية، لكن التحدي يبقى ديناميكياً مع تغير أنماط الطقس.

اليوم، تمثل إدارة مخاطر الفيضانات أولوية استراتيجية في التخطيط الحضري والتنموي. تدل هذه الرحلة الممتدة عبر ثمانية قرون على قدرة المغرب على التعلم من تجاربه التاريخية وتحويل التحديات إلى فرص لبناء أنظمة أكثر مرونة في مواجهة قوى الطبيعة.

المقال التالي