آخر الأخبار

بين سراب “غار جبيلات” وواقع “الصحراء المغربية”: الجزائر العسكرية في مهب العزلة الدولية

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

يخطئ من يظن أن التحركات الأخيرة التي تشهدها المنطقة المغاربية هي مجرد أحداث متفرقة؛ فالخيط الرابط بين فشل المشاريع المنجمية، والتوترات الحدودية الدامية، والمناورات الدبلوماسية مع واشنطن، يؤكد حقيقة واحدة: الجزائر العسكرية تعيش مأزقاً استراتيجياً غير مسبوق أمام الحقائق التي تفرضها المملكة المغربية على الأرض في صحرائها المغربية.

بينما يروج الإعلام الرسمي التابع لقصر المرادية لمشروع منجم “غار جبيلات” بوصفه قفزة تنموية، يكشف التحليل الرصين للجدوى الاقتصادية عن “جريمة ماليّة” تُرتكب بحق الشعب الجزائري. فبعيداً عن صخب الشعارات، يصطدم المشروع بعقبتين قاصمتين: نسبة “الفوسفور” العالية في الحديد التي تجعل قيمته السوقية هزيلة، والتكلفة اللوجستية الخيالية لمد سكة حديد لمسافة تتجاوز 950 كيلومتراً.

إن إصرار الطغمة العسكرية على هدر مليارات الدولارات في مشروع “ولِد ميتاً” اقتصادياً، ليس إلا محاولة بائسة لامتصاص الضغط الدولي، ومناورة مفضوحة لتثبيت وجود “سيادي” في مناطق التماس. إنها سياسة الهروب إلى الأمام، حيث تُنفق أموال الغاز والنفط في مشاريع “البرستيج” السياسي بدلاً من التنمية الحقيقية، فقط لعرقلة المسار التنموي المتسارع الذي تشهده الأقاليم الجنوبية للمملكة.

لقد حاولت الدبلوماسية الجزائرية، عبر استقبال مستشار الشؤون الإفريقية “مسعد بولس”، لعب ورقة “المقايضة الاقتصادية”؛ حيث عرضت إغراءات منجمية وطاقية مقابل تخفيف الضغط الأمريكي بشأن قرار مجلس الأمن رقم 2797. لكن الرد من واشنطن جاء حازماً: “الأمن الإقليمي وتصفية نزاع الصحراء المفتعل هما البوابة الوحيدة لأي تعاون استراتيجي”.

لقد أدركت الإدارة الأمريكية أن الجزائر العسكرية باتت تشكل عبئاً أمنياً، خاصة مع تلويح واشنطن بفرض عقوبات على صفقات السلاح الروسية. هذا التوجه الأمريكي يؤكد أن ورقة الطاقة التي تلوح بها الجزائر لم تعد كافية لشراء الصمت الدولي تجاه الدور الجزائري التخريبي في المنطقة، والذي يتناقض مع الشرعية الدولية والاعترافات المتوالية بمغربية الصحراء.

في ظل الفشل الذريع في “سيناريو الإغراء”، تلجأ السلطة في الجزائر إلى “سيناريو الضرورة”، وهو التصعيد الميداني. إن استهداف الجيش الجزائري للمواطنين المغاربة بدم بارد على مشارف الحدود، تحت ذرائع واهية، هو تعبير صارخ عن “رعب سياسي” من ملف الصحراء الشرقية.

تريد الجزائر عبر هذا العنف المفرط إرسال رسالة مفادها أنها لن تسمح بالمساس بحدودها الموروثة عن الاستعمار، وهي تعلم يوماً بعد يوم أن الدبلوماسية المغربية الهادئة بدأت تضع يدها على الجروح التاريخية العميقة. إن ترصيص الجبهة الداخلية عبر “صناعة عدو خارجي” هو السلاح الأخير لنظام يرفض الاعتراف بأن قطار التاريخ قد تجاوزه.

ولهذا تجد الجزائر العسكرية نفسها اليوم محاصرة بين ثلاث مسارات لا رابع لها:

الاستجابة للضغط الدولي: وهو الانخراط الجدي في تسوية النزاع مع المغرب، وهو ما يعني انهيار العقيدة العسكرية القائمة على العداء للمملكة.

المماطلة وانتظار المجهول: الرهان على تغيرات سياسية دولية (مثل الانتخابات الأمريكية) للتخفف من ثقل القرارات الأممية، وهو رهان محفوف بالمخاطر.

التعنت والمواجهة: الاستمرار في تعبئة الداخل الجزائري ضد المغرب وفرنسا وواشنطن، وهو مسار سيؤدي حتماً إلى عزلة دولية خانقة وانفجار داخلي نتيجة الهدر المالي والفقر السياسي.

الخلاصة: إن المعركة اليوم ليست معركة مناجم أو سكك حديدية، بل هي صراع بين رؤيتين؛ رؤية مغربية رصينة تبني التنمية وتكرس السيادة في الصحراء المغربية، ورؤية جزائرية عسكرية تستثمر في الفوضى وتبدد الطاقات في “معارك دون كيشوتية”. لقد انتهى زمن المناورات الرمادية، وعلى العالم أن يختار بين من يبني الجسور وبين من يهدمها من أجل بقاء طغمة عسكرية في السلطة.

المقال التالي