آخر الأخبار

تجاوز الحكومة 77% من الأسئلة الشفهية و32% من الكتابية

أظهرت أرقام رسمية ما يشبه «مقبرة» للأسئلة البرلمانية، حيث تتكدّس عشرات الآلاف من الاستفسارات والملفات، في مشهد يختزل أزمة الثقة بين سلطتي التنفيذ والتشريع، ويثير تساؤلات جدية حول جدوى آليات الرقابة الشكلية.

حيث كشف مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني والناطق الرسمي باسم الحكومة، أمس، أن الحكومة تلقت خلال الولاية الحالية 36 ألفاً و95 سؤالاً كتابياً، أجابت عن 24 ألفاً و395 سؤالاً فقط، بنسبة إجابة تصل إلى حوالي 68%، بينما بقيت 11 ألفاً و700 سؤال دون رد. أما الأسئلة الشفهية، فقد بلغت 26 ألفاً و761 سؤالاً، ولم يتم الرد إلا على 6 آلاف و186 سؤالاً، ما يجعل نسبة الأسئلة الشفهية غير المجابة تصل إلى حوالي 77%.

من خلال تقريره هذا، تحوّلت هذه الأرقام من مجرد إحصائيات إلى دليل اتهام صارخ؛ فادعاء الحكومة «حكومة الكفاءات أو حكومة التواصل» يتهاوى أمام حقيقة بقاء أكثر من 31 ألف سؤال برلماني معلّق في دهاليز الوزارات.

اللغز الحقيقي يكمن في التناقض الصارخ بين الأداءين الشفهي والكتابي؛ فكيف تُجيب الحكومة عن أغلب الأسئلة الكتابية، بينما تتجاهل تماماً ثلاثة أرباع الأسئلة الشفهية؟ هذا الفارق الهائل ليس صدفة إحصائية، بل يبدو منهجاً مقصوداً؛ فالأسئلة الكتابية تتيح «صناعة» ردود مطولة في صمت المكاتب، بينما تكشف الأسئلة الشفهية الحكومة مباشرة أمام أعين النواب والكاميرات، وتفرض عليها مواجهة قد تكون محرجة.

لا ينفصل هذا الصمت الحكومي المريب عن سياقه السياسي؛ ففي الوقت الذي تتباهى فيه الحكومة بمصادقتها على حوالي 19 قانوناً خلال الدورة المنتهية، شملت القطب الاقتصادي والمالي، والقطب السياسي الانتخابي، والقوانين ذات الطابع القضائي، فضلاً عن قوانين الحماية الاجتماعية والتعليم، يُغيّب عن بالها أن الديمقراطية ليست مجرد قوانين تُسن، بل هي حوار دائم ومساءلة فورية.

كم من هذه القوانين ناقشها البرلمان نقاشاً حقيقياً وهو يفتقر إلى أجوبة أساسية؟ وكيف يُفترض بالنواب مراقبة تطبيق القوانين وهم لا يحصلون على إجابات عن أسئلتهم البسيطة؟ لا يتعلق الأمر هنا بـ «عبء العمل» الحكومي، بل بإرادة سياسية واضحة؛ فالنسبة الهزيلة للإجابة على الأسئلة الشفهية «23% فقط» تُشكّل إعلاناً صريحاً عن عدم الرغبة في الشفافية أو الخضوع لمساءلة حقيقية. وهي تحوّل جلسات المساءلة البرلمانية من أداة رقابية حية إلى طقس شكلي فارغ، يُسمع خلاله السؤال دون أن يُنتظر الجواب.

هذا التجاهل المتعمد يرسل رسالة واضحة للرأي العام مفادها أن أبواب المساءلة مغلقة، وأن حق المواطن في المعرفة عبر ممثليه يبقى ترفاً لا مكان له في حسابات الحكومة. يبقى السؤال الملح: إذا كانت الحكومة لا تحترم مؤسسة البرلمان نفسه وتتجاهل أسئلته بهذا الشكل الصارخ، فكيف يمكن الوثوق بأنها تحترم صوت الشارع وتستمع لمطالبه؟

المقال التالي