الغارديان: إيران أمام لحظة مصيرية.. تسوية قسرية أم حرب محدودة أم انهيار داخلي؟

في تحليل عميق للوضع الإيراني المتأزم اليوم، كشفت خبيرة بارزة في شؤون الشرق الأوسط أن النظام في طهران يواجه اختباراً وجودياً هو الأخطر في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع أزمة الشرعية الداخلية الحادة مع تهديد عسكري خارجي مباشر، ما يضع مستقبل «الجمهورية الإسلامية» على حافة الهاوية.
وتشير «سنان وكيل»، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز «تشاتام هاوس» بلندن، في مقال رأي نشرته صحيفة «الغارديان»، إلى أن جميع الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام إيران حالياً «ليست جيدة». فخيارات الحرب الأمريكية المباشرة، أو فرض صفقة بقوة خارجية، أو حتى التغيير الداخلي للنظام، تحمل جميعها مخاطر جسيمة ونتائج غير مضمونة.
ويأتي هذا التقييم في وقت يبدو فيه النظام الإيراني، بعد 47 عاماً على ثورته، أضعف مما كان عليه في أي وقت مضى. فقد نجح طوال العقود الماضية في النجاة من حروب وعقوبات واغتيالات واحتجاجات جماهيرية وعزلة دولية، عبر استراتيجية تقوم على استعراض القوة في الخارج وقمع أي معارضة في الداخل. لكن الآليات الدفاعية القديمة تبدو عاجزة اليوم.
في الداخل، يعاني النظام من استنزاف عميق بعد سنوات من التدهور الاقتصادي وانهيار العملة والفساد والهجرة الجماعية، مما أدى إلى تآكل العقد الاجتماعي مع الشعب. وكشفت موجات الاحتجاج المستمرة منذ عام 2017، وصولاً إلى انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، والمظاهرات الحاشدة الشهر الماضي، عن مجتمع تجرأ على تحدي الدولة رغم ثمن المعارضة الباهظ. وكانت حملة القمع في يناير الماضي الأعنف في سجل النظام، حيث تأكد مقتل أكثر من 6000 شخص، فيما لا تزال التحقيقات جارية حول 17000 حالة وفاة أخرى.
على الصعيد الخارجي، تبدو الصورة قاتمة أيضاً. فاستعراض القوة الإقليمية الذي اعتمدت عليه إيران طويلاً يتعرض لضربات متلاحقة. ومنذ هجمات أكتوبر، يتعرض ما يعرف بـ«محور المقاومة» لضربات إسرائيلية علنية في أنحاء المنطقة وداخل إيران نفسها، مع عمليات اغتيال لقيادات بارزة وحرب إلكترونية، مما نقل الصراع الخفي إلى العلن ودفع طهران نحو شفا مواجهة مباشرة مع واشنطن.
في هذا المناخ المشحون، تطرح «وكيل» ثلاثة سيناريوهات محتملة، كل منها يحمل في طياته تهديداً لمستقبل إيران واستقرار المنطقة:
السيناريو الأول: التسوية القسرية
يقضي بقبول طهران، تحت وطأة الضغط الشديد، اتفاقاً تفرضه الولايات المتحدة يحرمها من أهم أدوات نفوذها: برنامجها النووي المتقدم وقدراتها الصاروخية ودورها الإقليمي، مقابل تخفيف العقوبات. ورغم أن هذا الخيار قد يؤجل حرباً فورية، إلا أنه سيكون «صفقة من أجل بقاء النظام» فقط، وسيدفعه ثمناً سياسياً باهظاً في الداخل، مما قد يزيد من احتقانه.
السيناريو الثاني: الحرب المحدودة
وفيه تختار الولايات المتحدة شن سلسلة ضربات عسكرية مُنسقة تستهدف القيادة الإيرانية والبنية التحتية العسكرية والنووية، بهدف شل قدرات النظام. من المتوقع أن يدفع هذا إيران نحو تصعيد إقليمي واسع يشمل هجمات على القواعد الأمريكية وقواتها، ومحاولات عرقلة الملاحة الدولية، واستهداف إسرائيل. والنتيجة لن تكون تغييراً سلمياً للنظام، بل حالة طويلة الأمد من عدم الاستقرار وصراع داخلي عنيف على السلطة.
السيناريو الثالث: الانهيار الداخلي
وهو السيناريو الأكثر خطورة وغير المتحكم به، حيث يؤدي الضغط الخارجي المتصاعد إلى تفكك البنية الداخلية للنظام من تلقاء نفسها، مما يخلق فراغاً في السلطة. وقد يؤدي تناحر الفصائل الأمنية المتنافسة، وسط انهيار اقتصادي كامل وتدخلات إقليمية، إلى تحويل إيران إلى دولة فاشلة على غرار ما حدث في دول أخرى، لكن بآثار أكثر تدميراً على المنطقة بسبب حجم إيران وقوتها.
وتخلص الخبيرة إلى أن جميع الأطراف الدولية المعنية، بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة، تبدو عالقة في «منطق التصعيد» دون وجود ضوابط دبلوماسية فعالة. فآلية الاتفاق النووي السابقة انهارت، وأوروبا لم تعد تلعب دور الوسيط الفاعل، وروسيا منشغلة في أوكرانيا، والصين حذرة.
السؤال الملحّ بالنسبة لطهران والمنطقة لم يعد حول إمكانية تجنب الأزمة، بل حول حجم الدمار الذي ستخلفه هذه «اللحظة المصيرية»، وأي من السيناريوهات الثلاثة القاتمة سيكون طريق الخروج منها.

تعليقات