آخر الأخبار

أرقام صادمة تكشف تهميش الحكومة للتطبيب “العمومي” على حساب “الخصوصي”

كشفت معطيات رسمية قدمتها زينب العدوي، الرئيس الاول للمجلس الاعلى للحسابات، خلال عرضها امام البرلمان يوم امس، اختلالات مقلقة في تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، خاصة على مستوى التأمين الاجباري عن المرض، حيث عكست الارقام فجوة صارخة بين الخطاب الرسمي والواقع الصحي الذي يعيشه المواطنون.

وأبرز ما استوقف الانتباه في هذا العرض هو التفاوت الكبير في توزيع نفقات العلاج، اذ لم تستفد المستشفيات العمومية سوى من 9 في المئة من اجمالي النفقات التي صرفها نظام التأمين الاجباري عن المرض خلال سنة 2024، مقابل 91 في المئة ذهبت لفائدة القطاع الصحي الخاص. وهي نسبة اعتبرها متتبعون دليلا واضحا على تهميش ممنهج للقطاع العمومي، في مقابل تغزل حكومي متواصل بالمصحات الخاصة ودعمها بشكل غير مباشر من المال العام.

هذه الارقام تطرح اكثر من علامة استفهام حول اولويات السياسات العمومية في المجال الصحي، خاصة وان المستشفيات العمومية تعاني خصاصا حادا في الموارد البشرية، وضعفا في التجهيزات، وتدهورا في جودة الخدمات، وهو ما يدفع ملايين المغاربة قسرا نحو القطاع الخاص، رغم كلفة العلاج المرتفعة، او نحو التخلي عن التطبيب في كثير من الحالات.

وعلى مستوى التغطية الصحية، سجل المجلس ان عدد المسجلين في منظومة التأمين الاجباري عن المرض بلغ حوالي 31.94 مليون شخص مع نهاية سنة 2024، غير ان عدد المستفيدين الفعليين، اي الذين يتوفرون على حقوق مفتوحة، لم يتجاوز 25.6 مليون شخص، ما يعني ان التغطية الفعلية لا تتعدى 70 في المئة، وهو ما يكشف وجود فئات واسعة خارج الاستفادة الحقيقية رغم تسجيلها الاسمي في المنظومة.

وسجل التقرير ايضا اختلالات خطيرة في التوازنات المالية لانظمة AMO، حيث ارتفعت النفقات بين سنتي 2022 و2024 بنسبة تناهز 83 في المئة، مقابل نمو ضعيف للموارد لم يتجاوز 36 في المئة، في ظل غياب اليات فعالة لضبط النفقات، ومخاطر مرتبطة بتأخر او عدم اداء الاشتراكات، فضلا عن ضعف موثوقية المعطيات المصرح بها.

وفي هذا السياق، واصل نظام اجراء القطاع العام تسجيل عجز متواصل منذ سنة 2021، رغم تراجعه من 1.51 مليار درهم الى 861 مليون درهم سنة 2024، مع انخفاض احتياطه الى 5.56 مليار درهم، اي دون الحد الادنى القانوني المحدد في سبعة مليارات درهم. كما ان نظام المهنيين والعمال المستقلين، رغم تسجيله فائضا سنة 2024، يظل غير قادر على ضمان استدامته، خاصة بعد تسجيل عجز تقني مهم سنة 2023، في حين عرف نظام الاشخاص القادرين على دفع الاشتراك دون مزاولة نشاط عجزا حادا بلغ 425 مليون درهم سنة 2024.

وسجل المجلس كذلك ارتفاعا مقلقا في مؤشر النفقات مقارنة بالمساهمات داخل نظام AMO تضامن، حيث قفز من 16 في المئة الى 94 في المئة بين سنتي 2022 و2024، ما يشكل تهديدا حقيقيا لاستدامة النظام على المدى المتوسط.

وانطلاقا من هذه المعطيات، وجه المجلس الاعلى للحسابات انتقادات غير مباشرة لاداء الحكومة، داعيا الى تحيين اليات الاستهداف، وتفعيل الوكالة الوطنية للسجلات، وانجاز دراسات تقويمية دورية لنجاعة برامج الحماية الاجتماعية، مع تعبئة مصادر تمويل مستدامة، وضمان التنسيق بين السياسات الاجتماعية والاقتصادية.

كما شدد المجلس على ضرورة تسريع برنامج تأهيل المؤسسات الاستشفائية العمومية، باعتبارها العمود الفقري للتغطية الصحية، محذرا من ان استمرار تهميشها سيعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية، ويحول نظام التأمين الاجباري عن المرض الى قناة غير مباشرة لتمويل القطاع الخاص، على حساب حق المواطنين في علاج عمومي عادل ومنصف.

المقال التالي