هل أصبحت مأساة القصر الكبير مجرّد شعار «اللي فرّط يكرّط»؟

وسط محاولات منكوبي مدينة القصر الكبير لاستعادة أنفاسهم من صدمة الفيضانات، ينقسم المشهد إلى صورتين متباينتين بشكل صارخ: الأولى في الميدان حيث صرخات الاستغاثة واستنكار الابتزاز، والثانية في قبة البرلمان حيث خطاب وزاري حازم يختزل المعالجة في شعارات وعيد.
يرتفع صوت الفعاليات الحقوقية والجمعوية من تحت الأنقاض والطين ليُسمع قصصاً عن «سماسرة المعاناة» الذين يحوّلون الكارثة إلى سوق سوداء؛ فتحوّلت الشمعة إلى سلعة فاخرة، والنقل القصير إلى خدمة بأسعار خيالية، والمأوى الآمن إلى فرصة لـ«الفراقشية» الجدد. هذه الأصوات لا تكتفي باستنكار الانتهاك، بل ترى فيه «تشويهاً لمبدأ التضامن» وتهديداً للأمن الاجتماعي، مما يتطلب – بحسب رأيها – تدخلاً عاجلاً وحازماً.
لكن الرد الرسمي الذي يصل من البرلمان عبر وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، يأتي مختلفاً في اللهجة والأولويات؛ فهو يختزل المعضلة المعقدة في مقولة تهديدية واحدة: «اللي فرّط يكرّط». الخطاب، وإن كان يحمل وعوداً بالمراقبة اليومية والعقوبات، يبدو للكثيرين «بهرجة» سياسية بعيدة عن تفاصيل المعاناة الميدانية. فبينما يحتاج المنكوبون إلى آليات فعلية وسريعة للحماية، يركز الخطاب الرسمي على الردع الإعلامي أكثر من تقديم حلول عملية ملموسة.
يدفع هذا التناقض إلى سؤال مركزي: هل يمكن لمقولة برلمانية، مهما بلغت قسوتها البلاغية، أن توقف آلة استغلال تدور في ظل فوضى الكارثة؟ وهل يكفي تهديد «التجار» بينما آليات الإغاثة نفسها قد لا تصل بسرعة إلى كل الضحايا، تاركة إياهم فريسة للانتهازيين؟
تكمن المفارقة الأعمق في أن شعار «اللي فرّط يكرّط» يفترض وجود سلطة قادرة على المراقبة والفعل في كل الزوايا، بينما الواقع في المدن المنكوبة يشهد فراغاً أمنياً وقانونياً مؤقتاً تُملؤه سلوكيات لا ترحم. بمعنى آخر، يبدو الخطاب الوزاري وكأنه يخاطب منظومة منظمة من المخالفين، بينما الاستغلال في الكوارث غالباً ما يكون عفويّاً، منتشراً، ويستفيد من غياب البدائل وانعدام الخيارات لدى الضحايا.
تتحوّل مأساة القصر الكبير هنا إلى مرآة تعكس الفجوة الكلاسيكية بين لغة السلطة في العاصمة ولهجة المعاناة في الأطراف. السؤال الذي يفرض نفسه على المسؤولين ليس فقط عن عدد المخالفين الذين سيُكَرّطُون، بل عن الكيفية التي ستمنع بها الدولة تحوّل كل كارثة وطنية إلى ساحة لاختبار صدقية خطاباتها، وإلى مسرح لمأساة مزدوجة: كارثة طبيعية، يليها استغلال بشري يتغذى على أنقاضها.

تعليقات