هكذا يعيد قانون الشيكات ترتيب المشهد المالي والنزاعات بالمغرب

شرعت المحاكم بالمملكة في تطبيق أحكام «القانون رقم 71.24» القاضي بتغيير وتتميم «القانون رقم 15.95» المتعلق بمدونة التجارة، مُحدثاً نقلة استراتيجية في معالجة قضايا الشيكات غير المغطاة، عبر تحويل التركيز من العقوبة الجنائية البحتة نحو آليات التسوية والمسارات الحمائية.
وترتكز فلسفة التعديل التشريعي، الذي دخل حيز التنفيذ عقب نشره في الجريدة الرسمية تحت عدد «7478»، على تقليص الاعتماد على العقوبات الحبسية التي كانت تشكل عبئاً على المنظومة القضائية، والانتقال إلى تفعيل المسارات المدنية والمالية كخيار أول لفض النزاعات، في إطار مواءمة التشريع مع التوجهات العصرية الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال.
ويأتي التغيير في صلب الإطار التشريعي الأصلي المنظم للعمليات التجارية في المغرب، حيث خفّض القانون الجديد الحدين الأدنى والأقصى لعقوبة السجن في جنحة إصدار شيك دون رصيد، لتصبح المدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات كحد أقصى، بعد أن كانت محصورة بين سنة وخمس سنوات، كما ارتفعت قيمة الغرامات المالية بشكل ملحوظ.
ومن أبرز المستجدات التي يقدمها النص إلغاء الصفة الجرمية عن إصدار شيك دون مؤونة ضمن العلاقات الأسرية، إذ لم يعد هذا الفعل يشكل جريمة بين الأزواج أو بين الآباء وأبنائهم، مع اقتصار حق المطالبة على رفع دعوى مدنية، بهدف تجنيب هذه العائلات متاهات المتابعات القضائية.
وينص القانون على «سقوط الدعوى العمومية» بمجرد أداء مبلغ الشيك الأصلي والغرامة المقررة، وهو ما يترتب عنه آثار فورية كالإفراج عن الموقوف. كما يمنح النص لمحرر الشيك «مهلة تسوية» قانونية مدتها ثلاثون يوماً قبل اللجوء إلى الاعتقال، يخضع خلالها لمراقبة إلكترونية عبر «سوار تقني»، مع إمكانية تمديد هذه المهلة بناءً على طلب صريح من حامل الشيك نفسه.
وخفض التشريع الجديد نسبة «الغرامة التحفيزية» المترتبة عن السداد بعد رفع الشكوى بشكل كبير، لتستقر عند «2 في المائة فقط» من قيمة الشيك، بعد أن كانت تُحدد بـ 25 في المائة، في خطوة تهدف إلى تشجيع المدينين على السداد بدلاً من التهرب. وفي المقابل، واستثناءً صريحاً، حُرم مرتكبو هذه الجنح من الانتفاع بأي من «بدائل العقوبات» المنصوص عليها في تشريعات أخرى، حفاظاً على الهيبة الرادعة للقانون.
وتسعى هذه المراجعة الشاملة إلى معالجة إشكالات قانونية وعملية مستفحلة، إذ تكشف الإحصائيات الرسمية أن عدد الشكايات المسجلة ما بين عامي 2022 ومتم يونيو 2025 بلغ نحو 180,223 شكاية، وتُوبِع على إثرها 76,936 شخصاً، من بينهم 58,710 معتقلاً.
ويجمع القانون رقم 71.24 بين الحفاظ على الثقة في الشيك كوسيلة أداء وتوفير آليات مرنة لتسوية النزاعات، من خلال تخفيف العقوبات الحبسية وتشجيع الحلول الودية وتوفير مهل للسداد، سعياً لتحقيق توازن يحمي مصلحة الأطراف ويحافظ على استقرار المعاملات التجارية والمالية في المملكة.

تعليقات