تحليل: هل تُعيد أحداث آسفي والقصر الكبير حسابات إدارة المخاطر؟

تشكل الفيضانات التي ضربت مدنًا مغربية، أبرزها آسفي والقصر الكبير، محطة فارقة في النقاش الوطني حول الفجوة الواسعة بين ما هو منصوص عليه في دفاتر الشروط العمرانية وما يُطبّق على أرض الواقع. هذه الأحداث لم تكن مجرد «كارثة طبيعية» عابرة، بل كشفت عن اختلالات بنيوية في التعامل مع المجال الترابي، تضع السياسات الحضرية الحالية ونموذج إدارة المخاطر على محك المساءلة العامة.
وقد وقعت هذه الأحداث ضمن سياق مناخي موسمي تميز بتساقطات مطرية غزيرة وغير مألوفة في شدتها وتواترها، ما يستدعي وقفة جادة لإعادة النظر في أدواتنا للتكيف مع الواقع المناخي الجديد الذي بدأ يفرض نفسه بقوة علينا جميعًا.
تؤكد القراءة المتأنية للمشهد أن لب الإشكال لا يكمن في غياب النصوص القانونية أو التخطيط النظري. فلدينا تشريعات تنظم التعمير وتحدد مناطق عدم البناء، خاصةً بالقرب من مجاري الأودية والأحواض المائية الطبيعية. التحدي الحقيقي، والذي نعيش تداعياته المأساوية، يتمثل في الهوة السحيقة بين هذه النصوص وحقيقة ما يحدث في العديد من مدننا وضواحينا. فالعديد من النقاط التي غمرتها المياه كانت تعاني، لسنوات، من التعمير العشوائي أو مشاريع أقيمت في مجالات معروفة بتعرضها الدوري للفيضان.
هنا يبرز سؤال المسؤولية المشتركة. فمن جهة، هناك تقصير في الرقابة الصارمة والمستدامة من قبل الجهات المعنية، مما يسمح باستمرار ممارسات تزيد من هشاشة المجال. ومن جهة أخرى، هناك حاجة ملحة لتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة البناء في مناطق الخطر، وعدم التعامل مع الأودية الجافة إلا في موسم الأمطار كمجرى للصرف أو مكان لرمي المخلفات، بما يسد منافذها الطبيعية.
الخروج من هذه الدائرة يتطلب، في تحليلنا، انتقالًا استراتيجيًا من ثقافة «الاستجابة للمخاطر» إلى ثقافة «إدارة المخاطر». وهذا يعني عمليًا:
· تعميم وتحديث خرائط المخاطر الطبيعية وجعلها وثيقة إلزامية ومرجعية أساسية في أي قرار يتعلق بالتهيئة أو منح رخص البناء.
· تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة بشكل رادع، ليس فقط تجاه المواطن، بل تجاه كل من يتسبب، بقرار أو بتهاون، في تفاقم هذه المخاطر.
· اعتماد مقاربة تشاركية في التخطيط، وإشراك الخبراء المحليين والمجتمع المدني في مراقبة المجال، لأنهم الأكثر دراية بتطوره ومشاكله.
· تسريع وتيرة إنجاز البنى التحتية للتصرّف في المياه، مع الأخذ في الاعتبار المعطيات المناخية الجديدة المتعلقة بشدة التدفقات المائية.
لقد أظهرت الأيام الماضية، رغم قسوتها، أيضًا بوادر إيجابية في سرعة التدخل وفك العزلة وتقديم الإغاثة، لكن هذه الجهود، على أهميتها، تظل مجرد مسكنٍ لأعراض مشكلة مزمنة. الدرس الحقيقي من آسفي والقصر الكبير هو أن الوقاية الحقيقية تكلف، بكل تأكيد، أقل من تكلفة الإهمال المتكرر، وهي ليست ترفًا فنيًا، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية أمام مستقبل مجتمعاتنا وأمن مواطنينا. السؤال الذي ينتظر إجابة عملية الآن: هل ستكون هذه الأحداث نقطة تحول حقيقية في تدبير المجال العمراني، أم مجرد فصل حزين آخر في سجل الكوارث التي تُنسى مع أول شعاع شمس؟

تعليقات