آخر الأخبار

القصر الكبير تحت رحمة مياه اللوكوس واستنفار شامل لإنقاذ الساكنة

تشهد مدينة القصر الكبير، لليوم الثاني على التوالي، وضعاً استثنائياً جراء فيضانات غير مسبوقة نتجت عن الارتفاع الكبير في منسوب وادي اللوكوس وامتلاء سد وادي المخازن عن آخره، ما أدى إلى غمر عشرات الأحياء السكنية وتشريد مئات الأسر، وإغراق ما يقارب نصف المجال الحضري، في ظل حالة استنفار قصوى وتعبئة شاملة لمختلف السلطات والمتدخلين.

وأمام منازل غارقة وشوارع تحولت إلى مجارٍ مائية، وجدت الساكنة نفسها في مواجهة مباشرة مع كارثة طبيعية قاسية، فرضت عمليات إجلاء واسعة ونزوحاً جماعياً، كما تسببت في خروج المستشفى المركزي عن الخدمة، بالتوازي مع اتخاذ قرارات استعجالية على أعلى مستوى، من بينها عقد اجتماع حكومي عاجل، وتنفيذ تعليمات ملكية تقضي بنصب خيام تابعة للقوات المسلحة الملكية لإيواء المتضررين.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس جماعة القصر الكبير أن الملك محمد السادس أعطى تعليماته من أجل الشروع في نصب خيام الجيش ابتداءً من يوم الجمعة، لإيواء المواطنين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب الفيضانات، موضحاً أن هذا الإجراء يندرج في إطار الاستجابة السريعة لحاجيات الأسر التي فقدت مأواها، في انتظار تحسن الأوضاع وعودة الحياة إلى طبيعتها. كما وجه نداءً عاجلاً إلى سكان الأحياء المغمورة أو المهددة بالغرق بضرورة الإخلاء الفوري حفاظاً على سلامتهم، مشيراً إلى إمكانية التوجه نحو دور الشباب ودار الثقافة والمؤسسات التعليمية المتواجدة بالمناطق المرتفعة بالنسبة لمن لا يتوفرون على بدائل للإيواء.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن خلية الأزمة أوصت بإخلاء عدد كبير من الأحياء بشكل استعجالي، بعد تسجيل ارتفاع مقلق في منسوب المياه، فيما أطلقت نداءات مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحث الساكنة على مغادرة منازلها وعدم الاكتفاء باللجوء إلى الطوابق العليا، تفادياً لمحاصرة الأسر في حال استمرار تدفق المياه.

المعاينات الميدانية أظهرت أن الأحياء المتضررة تمتد على مسافة تقارب خمسة كيلومترات، من مدخل المدينة في اتجاه العرائش إلى وسطها، مع تسجيل غمر حوالي نصف الأحياء بدرجات متفاوتة. كما لوحظ استمرار ارتفاع منسوب المياه بعدد من المناطق، رغم توقف التساقطات، بسبب التدفق القوي لوادي اللوكوس الذي بلغ مستويات غير معهودة. واضطرت السلطات إلى قطع التيار الكهربائي عن الإنارة العمومية في عدد من الأحياء المغمورة تفادياً للمخاطر، في وقت تضررت فيه عشرات السيارات ولا تزال عمليات سحبها متواصلة.

وتتواصل عمليات الإنقاذ والإجلاء بمشاركة عناصر الوقاية المدنية والسلطات المحلية والأمن والقوات المساعدة والإنعاش الوطني والهلال الأحمر، إلى جانب جمعيات المجتمع المدني ومتطوعين، حيث جرى استعمال القوارب المطاطية، فضلاً عن الجرارات الفلاحية والشاحنات والعربات المجرورة بالأحصنة، بسبب غمر عدد كبير من الشوارع والمسالك. غير أن عمليات الإخلاء تواجه صعوبات إضافية نتيجة رفض بعض العائلات مغادرة منازلها رغم خطورة الوضع.

وعلى المستوى الصحي، لم يتم تسجيل أي وفيات أو إصابات مرتبطة بالفيضانات، غير أن الوضع فرض إخلاء المستشفى المركزي بالكامل بسبب غمره بالمياه، إضافة إلى إخلاء مصحة خاصة مجاورة. وقد جرت عملية الإخلاء بشكل منظم، حيث جرى توزيع المرضى على عدة مراكز صحية داخل المدينة، مع ضمان استمرار التكفل بالحالات المستعجلة وحالات الولادة في ظروف وُصفت بالجيدة.

وفي تفاعل رسمي مع تطورات الوضع، أعلنت الحكومة عن عقد اجتماع عاجل برئاسة وزير الداخلية وبمشاركة مختلف القطاعات المعنية، من أجل متابعة تداعيات الفيضانات واتخاذ التدابير اللازمة، مع التأكيد على مواكبة الوضع ميدانياً وتعبئة جميع الإمكانيات المتاحة لضمان سلامة المواطنين والتدخل الفوري عند الضرورة.

وتعود أسباب هذه الأزمة إلى التساقطات المطرية الاستثنائية التي عرفها حوض اللوكوس خلال الأسابيع الماضية، والتي تجاوز معدلها التراكمي 600 مليمتر منذ شهر شتنبر، ما أدى إلى امتلاء سد وادي المخازن بالكامل. ورغم تفعيل حالة التأهب القصوى واتخاذ إجراءات وقائية مسبقة، من قبيل إقامة حواجز رملية وبرمجة طلقات مائية وتنقية قنوات الصرف، فإن حجم الواردات المائية فاق قدرة هذه التدابير، لتتحول حالة الحذر إلى أزمة حقيقية فرضت إجلاء أحياء بأكملها.

ورغم قساوة المشهد، برزت مظاهر قوية للتضامن بين الساكنة، حيث فتحت أسر منازلها لاستقبال المتضررين، وساهم متطوعون في تقديم مساعدات غذائية ولوجستية، في وقت تواصل فيه السلطات تعبئة مواردها في انتظار وصول خيام الجيش وتعزيز الدعم، لتأمين ظروف إيواء لائقة للنازحين، بينما يترقب السكان تحسناً في الأوضاع خلال الأيام المقبلة.

المقال التالي