آخر الأخبار

بعد ترشح الشوكي وحيدا…. هل اختار الأحرار الهدوء التنظيمي على المغامرة السياسية

يُجسِّد تعيين محمد الشوكي رئيساً للفريق البرلماني للتجمع الوطني للأحرار أكثر من مجرد تغيير شكلي في قيادة الأغلبية؛ إذ يُعد مؤشراً دالاً على تحولات بنيوية تعتمل داخل الحياة السياسية المغربية، ومرآة عاكسة لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.

تلفت الانتباه في هذه الخطوة السياقاتُ التي جاءت فيها والملامحُ التي يحملها الرئيس الجديد: فالشوكي، الذي سيتسلّم المنصب، لا ينتمي إلى نمط القادة الجماهيريين التقليديين، ولا يُقدَّم بوصفه صاحب مشروع فكري طموح؛ بل يمثل نموذجاً واضحاً لما يُوصَف بـ«التكنوقراط السياسي» أو «الرئيس المُسيِّر». وهو نموذج يختلف جوهرياً عن صورة «الزعيم» التاريخية، إذ لا يأتي لقيادة تحوّل سياسي، بل لإدارة بنية قائمة، وضمان سيرها وفق توجيهات محددة، مع الحفاظ على توازنات لا تحتمل الصدام أو المواقف الحادة.

يبدو اختيار الشوكي منسجماً مع معادلة حزب مثل «التجمع الوطني للأحرار»، الذي تكرّس عبر مساره كـ«آلة انتخابية» بالدرجة الأولى؛ فقد تحوّل عملياً إلى فضاء للتوافقات وتلاقي المصالح، أكثر منه تنظيماً أيديولوجياً ذا خط سياسي واضح أو تقاليد نضالية راسخة. ويؤكد مساره القيادي هذه السمة منذ عهد المؤسس أحمد عصمان، مروراً بتنافس عكاشة والمنصوري، ثم «استقدام» صلاح الدين مزوار من خارج النسق الحزبي التقليدي، وصولاً إلى قيادة الملياردير عزيز أخنوش الذي كان قد نفى انتماءه الحزبي سابقاً؛ وهي محطات تعكس طابع «الوظيفية» و«المرحلية» في اختيار القيادات.

في هذا السياق، يأتي تعيين الشوكي استكمالاً لهذه الخصوصية؛ فهو شخصية بلا رصيد نضالي حزبي ثقيل، وبلا خلفية أيديولوجية قد تُثير حساسيات داخلية، وبلا كاريزما قد تُربك المنظومة القائمة. إنه الوجه «الآمن» القادر على ملء فراغ تنظيمي دون خلق موجة تطلعات أو فتح باب التحديات الجديدة. ويختزل تعليق محمد أوجار، المنافس الداخلي، حين قال: «شوكي كان كل طموحه أن يقود شبيبة البام على عهد إلياس العماري، الآن هو موعود بقيادة الحزب الأول في المغرب!» مفارقةَ المشهد وسخريةَ التحوّل السياسي.

يطفو سؤال مركزي: هل يعكس هذا الاختيار تراجعاً مقصوداً عن نموذج «القيادة» لصالح نموذج «التدبير» في المشهد السياسي المغربي عموماً؟ قراءة المعطيات توحي بأن الإجابة تميل إلى الإيجاب؛ فالمرحلة الراهنة، التي تبدو فيها ملامح المشهد السياسي مكتملة، تُعلي من الأولويات الاقتصادية والتنموية والإدارية على حساب الصراعات السياسية ذات الطابع الأيديولوجي، ولم تعد «تطلب» زعماء بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما تبحث عن «مديرين» يتقنون إدارة التوافق وتنفيذ السياسات والحفاظ على الاستقرار.

إن صعود محمد الشوكي لا يُقرأ كحدث معزول، بل كحلقة إضافية في مسار ممتد؛ فهو من جهة يعكس درجة من النضج، أو ربما الجمود، في التجربة الحزبية المهيمنة، ومن جهة أخرى يجسّد فلسفة مرحلة تضع «الكفاءة التدبيرية» و«الانضباط التنظيمي» و«الانسيابية السياسية» في صدارة الأولويات. المشهد يبدو مكتملاً، والأحرار خارج دائرة التنافس على قيادة الحكومة، والرسالة واضحة: زمن القيادة الملهمة يتراجع، ليحل محله زمن «المُسيِّرين»، فيما يظل السؤال مفتوحاً حول الأفق الذي تقود إليه هذه الدينامية.

المقال التالي