آخر الأخبار

دعم بالملايين وحقوق مهدورة داخل تعاونيات الاقتصاد التضامني

يشكل القطاع التعاوني أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وقد عرف خلال السنوات الأخيرة دينامية لافتة من حيث عدد الوحدات المحدثة وحجم الدعم العمومي الموجه إليه. ووفق معطيات رسمية جرى الكشف عنها خلال جلسة برلمانية شهرية مخصصة لهذا الموضوع، فقد تجاوز عدد التعاونيات على الصعيد الوطني 63 ألف تعاونية، إلى جانب رصد اعتمادات مالية بلغت 368 مليون درهم لتنزيل الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

ورغم هذا التطور الكمي والدعم المالي المعلن، فإن واقع القطاع على الأرض يكشف عن استمرار اختلالات بنيوية تعيق تحقيق الأهداف المرجوة منه، وتحد من قدرته على الإسهام الفعلي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فعدد كبير من التعاونيات ما يزال يواجه صعوبات حقيقية، في مقدمتها إشكالية تسويق المنتوجات، وضعف الولوج إلى مصادر التمويل، فضلاً عن غياب المواكبة والتأطير التقني والإداري الكفيل بضمان الاستمرارية والنجاعة.

وتبرز في هذا السياق إشكالات أكثر تعقيداً تتعلق بالبعد الاجتماعي والإنساني داخل عدد من التعاونيات، خاصة تلك التي تشغل النساء. فرغم أن التجربة التعاونية ساهمت في إدماج آلاف النساء في الدورة الاقتصادية، إلا أن تقارير وشهادات متطابقة تشير إلى مظاهر استغلال واضطهاد داخل بعض التعاونيات، حيث تُفرض على العاملات ظروف عمل قاسية، دون تمتيعهن بتغطية صحية أو حقوق اجتماعية أساسية، مقابل أجور هزيلة لا تعكس حجم الجهد المبذول ولا تضمن لهن عيشاً كريماً.

في المقابل، يُسجل استفادة مديري ورؤساء بعض التعاونيات من مختلف الامتيازات والدعم العمومي، سواء على مستوى التعويضات أو الاستفادة من البرامج والمشاريع، في غياب توزيع عادل للعائدات، وهو ما يفرغ النموذج التعاوني من روحه التضامنية ويحوّله في بعض الحالات إلى شكل مقنّع من الاستغلال.

وتعزو فعاليات مهتمة بالشأن التعاوني هذا الوضع إلى ضعف آليات المراقبة وغياب التتبع الصارم لاحترام القوانين المؤطرة للعمل التعاوني، إضافة إلى محدودية تدخل أجهزة التفتيش المعنية بحماية حقوق العاملات والعاملين داخل هذه الوحدات.

وأمام هذه الاختلالات، تتعالى الدعوات إلى ضرورة تكثيف المراقبة الميدانية للتعاونيات، وربط الدعم العمومي باحترام معايير الحكامة الجيدة والعدالة الاجتماعية، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء العاملات، بما في ذلك التصريح بهن لدى الصناديق الاجتماعية وتمتيعهن بتغطية صحية وأجور منصفة.

كما يشدد مهتمون على أهمية تعزيز برامج التكوين والمواكبة، وإرساء آليات فعالة للتسويق والتمويل، حتى يتحول القطاع التعاوني إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة، بعيدا عن أي ممارسات تسيء إلى فلسفته التضامنية وتكرس الهشاشة بدل محاربتها.

المقال التالي