آخر الأخبار

50 سنة على معركة أمغالا: حين أخطأ بومدين التقدير ليصطدم بجيش مغربي صلب

تحل اليوم، 27 يناير 2026، الذكرى الخمسون لمعركة أمغالا، المواجهة التي لم تكن وليدة صدفة عسكرية، بل نتيجة حسابات سياسية متسرعة قادها الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، في محاولة لإعادة رسم صورته داخليا وترميم هزيمة قديمة لم تفارقه منذ حرب الرمال سنة 1963.

كان بومدين، الذي وصل إلى الحكم إثر انقلاب عسكري على الرئيس أحمد بن بلة في 19 يونيو 1965، يسعى مع مطلع سنة 1976 إلى الانتقال من موقع “رئيس مجلس الثورة” إلى رئيس للجمهورية بسلطة كاملة؛ غير أن هذا الطموح السياسي كان مشوبا بهاجس ثقيل: ذاكرة الهزيمة القاسية التي مني بها الجيش الجزائري أمام القوات المسلحة الملكية خلال حرب الرمال.

في هذا السياق، رأى بومدين في الصحراء المغربية ساحة محتملة لـ“نصر سريع” يعيد الاعتبار لجيشه ويثبت ذاته كقائد إقليمي قوي، خاصة وأنه كان يجمع بين رئاسة الدولة وحقيبة وزارة الدفاع؛ ووفق شهادات تاريخية، فقد اعتقد أن عنصر المباغتة، مدعوما بتفوق عددي وتسليح سوفياتي، كفيل بحسم المواجهة في وقت وجيز.

غير أن هذا التصور لم يكن محل إجماع داخل دوائر الحكم في الجزائر؛ فقد حذره عدد من المقربين منه، من مغبة خوض مغامرة عسكرية غير محسوبة ضد جيش مغربي أكثر تنظيما وخبرة، لكن بومدين، الذي رد على تلك التحذيرات بعبارته الشهيرة “ما عنديش الرجال”، مضى في قراره، غير آبه بالنصائح ولا بحقائق الميدان.

وفي 27 يناير 1976، أعطى الرئيس الجزائري أوامره بتحريك وحدات عسكرية نظامية نحو الصحراء المغربية؛ جرى تجهيز الكتيبة 97، والفرقة 112 للقوات الخاصة، وفرقة “القبعات السوداء”، تحت قيادة النقيب لونيس عريب، مدعومة بعناصر من جبهة “البوليساريو” الانفصالية؛ وكان المخطط يقضي بدخول الصحراء عبر ثلاثة محاور: المحبس قرب تيندوف، وتفاريتي على الحدود الشمالية لموريتانيا، ثم أمغالا، الواقعة على بعد نحو 260 كيلومتراً من الحدود الجزائرية.

لكن ما لم يضعه بومدين في حسبانه هو أن القوات المسلحة الملكية كانت في حالة يقظة تامة، بقيادة قائد المنطقة الجنوبية آنذاك، الكولونيل أحمد الدليمي، الذي كان يدرك طبيعة التحركات المعادية وأبعادها الاستراتيجية. وهكذا، وجدت القوات الجزائرية نفسها وجها لوجه مع جيش منظم، يعرف الأرض جيدا، ويتحرك بعقيدة دفاعية واضحة.

لم تستمر المعركة، التي عرفت لاحقاً بـ“أمغالا 1”، سوى نحو 36 ساعة، لكنها كانت كافية لقلب كل التوقعات. فبدلا من “النصر السريع” الذي راهن عليه بومدين، منيت القوات الجزائرية بهزيمة قاسية، سقط خلالها نحو 200 قتيل، نتيجة سوء تقدير الطبيعة الجغرافية للمنطقة، وضعف التنسيق الميداني، والفشل في قراءة تموقع القوات المغربية وقوتها الحقيقية. وفي 29 يناير 1976، اضطرت الوحدات الجزائرية إلى الانسحاب الكامل من أرض المعركة.

ورغم الترسانة الثقيلة التي جرى الدفع بها، من صواريخ “سام 7” السوفياتية، ومدافع A120، ودبابات وقاذفات صواريخ، فإن ضعف القيادة الميدانية كان عاملا حاسما في الانهيار. وهو ما أكده لاحقا الجنرال الجزائري السابق خالد نزار، الذي أشار في مذكراته إلى انسحاب رئيس أركان الجيش آنذاك، أحمد قايد صالح، من ساحة القتال، تاركا قوات المشاة دون دعم، الأمر الذي عرضه لاحقا لتوبيخ شديد من الجنرال محمد صالح اليحياوي.

وشكلت هزيمة أمغالا إحراجا سياسيا بالغا لهواري بومدين، الذي حاول التقليل من وقعها بالقول إن ما جرى لم يكن سوى “كمين” استهدف جنودا جزائريين كانوا ينقلون مساعدات إنسانية؛ غير أن هذا التبرير سرعان ما سقط أمام الوقائع، حين دعا الملك الراحل الحسن الثاني وسائل الإعلام الدولية إلى عين المكان، حيث عاين الصحافيون الأسلحة السوفياتية التي تحمل علامات الجيش الجزائري، والأزياء العسكرية التي خلفها الجنود المنسحبون.

ولم يكتف الملك الراحل بذلك، بل اتخذ قرارا سياسيا ذا دلالة قوية، تمثل في تسليم 106 جنود جزائريين جرى أسرهم، من مجموع يقارب 500 أسير، في خطوة جسدت ضبط النفس المغربي. وقبل عملية التسليم، وجه الحسن الثاني رسالة مباشرة إلى بومدين قال فيها:
“لقد حدث ما يدعو إلى الدهشة والاستغراب، ذلك أن القوات المسلحة الملكية، يا سيادة الرئيس، وجدت نفسها يوم 27 يناير 1976 في مواجهة الجيش الوطني الشعبي في أمغالا، التي هي جزء لا يتجزأ من الصحراء المغربية”.

بعد خمسين عاما، لا تستحضر معركة أمغالا فقط كواقعة عسكرية، بل كدرس تاريخي في خطورة التسرع السياسي وسوء تقدير الخصم، وكشهادة راسخة على احترافية القوات المسلحة الملكية، التي واجهت العدوان بثبات، وحسمت المعركة ميدانيا، ثم أدارت نتائجها بحكمة دولة تدافع عن سيادتها دون انزلاق إلى منطق المغامرة.

المقال التالي