فرنسا تحظر رسمياً مواقع التواصل لمن دون 15 سنة… فمتى يقرر المغرب خطوة مماثلة؟

في خطوة وصفت بأنها «تاريخية» في مجال التشريعات الرقمية وحماية الطفولة، صوت البرلمان الفرنسي لصالح قانون يمنع من هم دون سن الخامسة عشرة من الولوج إلى منصات التواصل الاجتماعي. هذا القرار أثار اليوم، تساؤلات عاجلة حول الإجراءات الحمائية المماثلة في العديد من الدول، ومن بينها المغرب، حيث لا تزال التشريعات المنظمة لهذا المجال في طور التكوين.
جرى التصويت الحاسم على هذا القانون، الذي نوقش بقوة اليوم الثلاثاء، وحظي بتأييد غالبيّة النواب وسط جدل واسع حول التوازن بين الحق في الحماية والحق في الوصول إلى المعلومات. امتدت الجلسة لساعات متأخرة، مما يعكس الأهمية والحساسية التي يكتسيها الموضوع على الساحة السياسية والاجتماعية في فرنسا.
ويمثل هذا التشريع ركيزة أساسية في خطة أوسع تهدف إلى حماية الصحة النفسية والإدراكية للأطفال والمراهقين، الذين باتوا عرضة لتأثيرات غير مسبوقة نتيجة قضاء ساعات طويلة في عوالم رقمية قد تكون قاسية. وقد حظي القانون بدعم مباشر من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وصفه بأنه «خطوة كبيرة» نحو بناء حاجز واقٍ للأجيال الصاعدة.
ولا يقتصر القانون على حظر المنصات الاجتماعية للفئة العمرية المستهدفة، بل يشمل أيضاً حظراً لاستخدام الهواتف المحمولة داخل جميع المدارس الثانوية، في محاولة لخلق بيئات تعليمية خالية من مصادر التشتيت الرقمي. وبهذه الخطوة، تصبح فرنسا ثاني دولة متقدمة، بعد أستراليا، تفرض حظراً شاملاً على الهواتف في المؤسسات التعليمية.
ويبرز هنا سؤال فني بالغ الأهمية: كيف سيتم تفعيل هذا الحظر عملياً؟ الإجابة تكمن في إلزام منصات التواصل الاجتماعي بتطبيق أنظمة قوية للتحقق من العمر. وقد مُنحت هذه المنصات مهلة تنتهي في الحادي والثلاثين من كانون الأول لتعديل أنظمتها وتعطيل الحسابات التي لا تتوافق مع شرط السن، وهو ورش تقني وقانوني ضخم.
القرار الفرنسي ليس وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لمسيرة طويلة من التحذيرات والدراسات العلمية. فقد أصدرت الوكالة الفرنسية للأغذية والبيئة والصحة والسلامة المهنية تقارير مفصلة سلطت الضوء على الدور السلبي لمنصات مثل «تيك توك» و«سناب شات» في تفاقم مشاكل القلق والاكتئاب وتشويه صورة الجسد بين المراهقين.
ورغم الإشادة بالقرار، تواجه تطبيقاته تحديات كبيرة، أبرزها قضية التحقق من الهوية والعمر على الإنترنت، وهي مشكلة عالمية لم تُحلّ بعد بشكل نهائي. كما توجد مخاوف من تحايل المستخدمين الصغار، أو لجوئهم إلى منصات أقل شهرة وأكثر خطورة، ما قد يحوّل المشكلة من مكان إلى آخر دون حل جذري.
وفي السياق المغربي، يضع هذا القرار الفرنسي النقاش حول حماية الأطفال في الفضاء الرقمي على طاولة المسؤولين والخبراء والجمعيات بشكل أكثر إلحاحاً. فالمغرب، الذي يشهد نسبة مرتفعة من مستخدمي الإنترنت من فئة الشباب والمراهقين، لم يُصدر بعد تشريعاً شاملاً ومحدداً يمنع الولوج حسب العمر، رغم وجود نصوص عامة في قانون الصحافة والنشر وحماية المعطيات الشخصية.
السؤال «متى؟» الذي يتردد في أوساط المغاربة ليس مجرد استفهام زمني، بل استفسار عن الإرادة السياسية والأولويات المجتمعية. يتعلق بمدى استعداد المغرب لمواكبة هذه التحولات التشريعية العالمية، ومدى قدرته على تطوير حلول تتناسب مع خصوصيته الثقافية والاجتماعية، وتوازن بين الحماية الضرورية وعدم تقييد فرص التعلم والاندماج الرقمي للشباب.
القرار الفرنسي يفتح باب التفكير الاستباقي. فسواء قرر المغرب محاكاة النموذج الفرنسي بحذافيره، أو ابتكر نموذجاً أكثر مرونة يعتمد على التوعية ورقابة الأهل وتعزيز المحتوى الوطني الآمن، فإن الحاجة إلى إطار قانوني واضح وحازم أصبحت أمراً ملحّاً. المستقبل الرقمي لأطفال المغرب يتطلب قراراً شجاعاً، والأيام القادمة كفيلة بالكشف عن اتجاه هذا المسار.

تعليقات