مغالطات حفيظ دراجي في “كان المغرب”: تحليل نقدي لكشف البهتان والإسقاطات الإعلامية

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب لم تكن مجرد حدث رياضي، بل تجربة متكاملة عكست قدرة المملكة المغربية على تنظيم بطولات كبيرة، ونجحت في تقديم صورة متميزة لكرة القدم الإفريقية، سواء على مستوى الملاعب الراقية، أو التنظيم اللوجستي، أو متابعة الجماهير. ومع ذلك، تصاعدت بعض الأصوات الإعلامية، ومن بينها مقال حفيظ دراجي على موقع “العربي الجديد” بتاريخ 2026/01/24، الذي حاول استثمار البطولة لتسويق سردية مغرضة ومضللة، تتجاوز النقد الرياضي إلى تشويه صورة المغرب وتقويض الحدث نفسه.
أولًا: يبدأ الكاتب باعتراف محدود بإنصاف: التتويج السنغالي كان مستحقًا، وتنظيم المغرب كان متوقع الجودة، لكن سريعًا ما يتحول المقال إلى سردية مشوبة بالإيحاءات:
تحدث عن “ركلة جزاء غريبة” و”هدف محقق حُرم من السنغاليين”، رغم أن القرارات الرسمية للاتحاد الإفريقي لم تسجل أي مخالفة أو تعديل على النتائج.
أشار إلى تهديد السنغال بالانسحاب من المباراة، وهو ما لم يحدث سوى كحادثة لحظية، تم احتواؤها من قبل اللاعبين، بما يعكس احترافية الفرق والإدارة الرياضية، وليس فشل التحكيم.
هذا التحويل من الوقائع إلى الانطباعات يكشف عن هدف المقال الحقيقي: التشكيك في نزاهة البطولة وتنظيم المغرب، بدل تقديم تحليل مهني للأحداث.
ثانيًا: حرص المقال على تصوير التحكيم كعامل أزمات محتمل: أخطاء محتملة، تقنية فيديو لم تتدخل دائمًا، تغييرات على مستوى الطواقم… كل ذلك بدون الاستناد إلى تقارير رسمية.
التحكيم كان عنصراً جدليًا طبيعيًا في كل البطولات الكبرى، لكن:
لم تُلغَ أي نتيجة
لم تُعاد أي مباراة
لم تصدر أي عقوبة ضد الحكم
ورغم ذلك، يوظف الكاتب حفيظ دراجي هذا الحدث ليزرع فكرة أن المغرب “حاول التأثير على التحكيم” وهو ادعاء بلا سند رسمي، ويعكس أسلوبًا متكررًا لدى بعض الكتاب في مغالطة إسقاط مسؤوليات التنظيم على الدولة المضيفة.
ثالثًا: حفيظ دراجي يقر بأن وصول المغرب والسنغال إلى النهائي كان “منطقيًا ومتوقعًا”، لكنه بعد ذلك يقدم المباراة النهائية وكأنها حدث انفجار كاد يفضي إلى الفضيحة.
هذا التناقض المنهجي ليس تفصيلاً، بل يكشف عن سردية مسبقة هدفها تقويض الحدث الرياضي، وجعل الانتصار السنغالي يبدو مأخوذًا من جهة خارجية، بينما المغرب “مسؤول” عن أي توتر، وهو أمر بعيد كل البعد عن المهنية الصحفية.
رابعًا: المقال يغفل عن الحقيقة الأساسية: أن المملكة المغربية حرصت على أعلى معايير التنظيم والاحترافية، وأن الانفعالات الجماهيرية الفردية أو بعض الهتافات لا تعكس سياسات الدولة، ولا يمكن تحميلها مسؤولية الأحداث العابرة.
كما أن مقال حفيظ دراجي يتجاهل موقف الملك محمد السادس، الذي صرّح بوضوح:
“الأحداث التي رافقت المباراة النهائية لن تنال من التقارب الذي نسج على مدى قرون بين الشعوب الإفريقية، والشعب المغربي لن ينساق وراء الضغينة والتفرقة.”
هذا الموقف الرسمي يظهر النضج السياسي والمسؤولية العليا للدولة المغربية، وهو ما يغيب كليًا عن مقالة الكاتب، لأن إدراجه سيعكس الحقيقة التي يحاول تفاديها.
خامسًا:الأسلوب المستخدم في المقال يُظهر خطر الانزلاق الإعلامي عندما يتحول النقد إلى استهداف سياسي:
تكثيف الانفعالات الجماهيرية لتظهر كمعضلة كبيرة
تحميل الدولة المضيفة مسؤوليات فردية وجماعية
تجاهل الوقائع الرسمية والتصريحات الرسمية
هذا النمط لا يخدم المتلقي، بل يُعيد إنتاج خطاب مشحون بالتحيّز ويزرع الانقسام بين الشعوب.
سادسًا:يجب التأكيد أن النسخة الحالية لكأس أمم إفريقيا شهدت إشادات واسعة من الاتحاد الإفريقي، وسائل الإعلام الدولية، والمراقبين الرياضيين العرب والأفارقة والاوروبيين، الذين أشادوا بجودة الملاعب، الانضباط التنظيمي، وتحقيق تجربة جماهيرية استثنائية.
هذه الإشادات لم تُذكر إطلاقًا في مقال المدعو حفيظ دراجي، رغم أنها تعكس الحقيقة الفعلية التي تجاوزت أي أخطاء فردية في التحكيم أو الانفعالات الجماهيرية.
سابعًا:ركلة الجزاء وهدف محرم: لم يلغَ أي حكم أي هدف أو ركلة جزاء، والنتيجة النهائية لم تتغير.
تهديد الانسحاب: لم يؤثر على مسار المباراة ولا على تتويج السنغال.
التدخل على مستوى التحكيم: كل تغييرات الطواقم حصلت وفق لوائح CAF ولم تكن محاباة لأي طرف.
إقحام الانفعالات السياسية: محاولة ربط البطولة بالرياضيات السياسية بين الدول هي إسقاط لا أساس له على الحدث الرياضي.
باختصار، المقال لم يقدم سوى سردية مضللة كلها بهتان تحاول نسف صورة المغرب وإعطاء البطولة بعدًا سياسياً مشبوهًا، بعيدًا عن المهنية الصحفية الحقيقية.
ثامنًا:من الضروري الإشارة أن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا 2025 لم يكن مجرد حدث رياضي، بل درسًا في الاحترافية والبنية التحتية والتواصل الدولي:
الملاعب استوفت أعلى المعايير الدولية
الفرق والتنظيم تعاملوا مع أي حادثة جماهيرية بسرعة ومسؤولية
الإعلام المغربي تعاون مع CAF لضمان متابعة شاملة ومحايدة
كل هذه الحقائق تؤكد أن ما حاول المدعو حفيظ دراجي في “العربي الجديد” تقديمه، ليس سوى سردية تحاول قلب الحقائق، متجاهلة التنويه العالمي والعربي بالنجاح المغربي.
خاتمة: البطولة والحقيقة تتجاوز السرديات المضللة
كأس إفريقيا 2025 انتهت:
بتنظيم مشهود بشهادة الجميع
بتتويج مستحق للسنغال
وبصورة مشرّفة لكرة القدم الإفريقية
أما ما حاول حفيظ دراجي أن يقدمه في مقاله فهو إعادة إنتاج سردية مشبوهة، مليئة بالبهتان والمغالطات، تحاول تحويل النجاح المغربي إلى موضوع للتشكيك السياسي.
الرياضة هي ملعب التنافس والاحتراف، لا منبرًا لتصفية الحسابات، والإعلام الحقيقي هو من يواكب الحدث بالموضوعية، لا من يزرع الانقسام ويستثمر الانفعالات الفردية لتسويق أجنداته.

تعليقات