قراءة في خطوة ترامب نحو غزة: مجلس السلام كأداة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
شهد العالم مؤخرًا حدثًا بارزًا في ساحة الدبلوماسية الدولية، مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الميثاق التأسيسي لـ”مجلس السلام” على هامش منتدى دافوس الاقتصادي. المبادرة الأميركية التي تهدف إلى تعزيز السلام في الشرق الأوسط، خصوصًا في قطاع غزة، أثارت اهتمامًا واسعًا وجدلًا حول جدواها وفعاليتها، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
من خلال الإعلان عن مجلس السلام، ركز ترامب على نقطتين أساسيتين: ضمان استقرار غزة وإعادة إعمارها، والتعاون مع دول متعددة لتوسيع نطاق السلام في المنطقة. من منظور استراتيجي، يبرز المجلس كمحاولة أميركية لتعزيز الدور القيادي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خاصة بعد سلسلة من النزاعات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين. كما يوضح البيان الأميركي أن الهدف ليس استبدال الأمم المتحدة، بل العمل بالتنسيق معها، وهو ما يعكس رغبة في تقديم مبادرة تكمل جهود المجتمع الدولي بدلًا من تحديها.
على الرغم من الطموح الكبير، تواجه المبادرة عدة تحديات محلية ودولية. أولًا، لم تنضم بعد القوى الكبرى في مجلس الأمن الدولي، باستثناء الولايات المتحدة، إلى المجلس، ما يطرح تساؤلات حول شرعيته وقدرته على التوسط في النزاعات الإقليمية. ثانيًا، تركيز المجلس على نزع سلاح حركة حماس وإعادة جثة أسير إسرائيلي يسلط الضوء على حساسية المسألة الفلسطينية، حيث يتعين موازنة إجراءات الأمن مع حقوق السكان المدنيين واحتياجاتهم الإنسانية.
كما أن التمويل المقترح من الدول الأعضاء، بمليار دولار لكل دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، يبدو طموحًا لكنه قد يواجه عقبات سياسية ومالية، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية الحالية. هذا يفرض على الإدارة الأميركية التفكير في استراتيجيات بديلة لضمان استدامة المجلس دون الاعتماد الكلي على مساهمات الدولة الواحدة.
لا يمكن تجاهل الجوانب الإيجابية للمبادرة الأميركية؛ فهي تسعى لتقديم نموذج جديد لإدارة النزاعات وإعادة الإعمار، كما أنها تشير إلى قدرة الولايات المتحدة على جمع أكثر من 59 دولة حول فكرة السلام، وهو إنجاز دبلوماسي يبرهن على النفوذ الأميركي المتواصل. مع ذلك، النقد البناء يتركز على ضرورة تحقيق توازن بين الطموحات الأميركية والحساسية الدولية، إذ إن أي مساس بمصالح الدول الأخرى أو تجاهلها قد يؤدي إلى توترات دبلوماسية، خصوصًا مع روسيا وإيران اللتين أبدتا اهتمامًا بالمشاركة أو التفاعل مع المجلس بشروط محددة.
مجلس السلام يمثل خطوة جادة نحو وضع إطار مؤسسي للسلام في غزة، لكنه لن يكون بمقدوره حل كافة المشكلات الإقليمية دون تعاون أوسع مع المجتمع الدولي، ودون إشراك جميع الأطراف المعنية بما في ذلك القوى الإقليمية والفلسطينية. النجاح المحتمل للمجلس يعتمد على قدرة الولايات المتحدة على تقديم حلول عملية ملموسة، مثل فتح المعابر، تقديم مساعدات إنسانية مستمرة، وضمان إعادة الإعمار بشكل شفاف ومستدام، بعيدًا عن البروباغندا السياسية.
في النهاية، يمكن النظر إلى هذه المبادرة الأميركية على أنها محاولة لتقديم نموذج جديد للوساطة الدولية، قائم على التنسيق متعدد الأطراف وتقديم حلول ملموسة للمواطنين المتضررين. لكنها في الوقت ذاته تضع الولايات المتحدة أمام اختبار دبلوماسي حساس: كيف يمكن لمجلس السلام أن يحقق أهدافه دون أن يُنظر إليه كأداة للهيمنة السياسية أو النفوذ الأحادي؟ هذا السؤال سيحدد مصداقية المجلس ونجاحه على المدى الطويل.

تعليقات