آخر الأخبار

تحقيق: ما وراء شائعات ما بعد النهائي.. محاكمة التضليل الرقمي وخطاب الكراهية

في لحظات كان يُفترض أن تُكرَّس للاحتفال بالروح الرياضية، تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة معركة مشتعلة بالتضليل والاتهامات. هذا التحقيق، الذي أنجزه «مغرب تايمز»، يتتبع مسار الشائعات التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي عقب نهائي كأس الأمم الإفريقية، ويكشف الآليات المعقّدة التي حوّلت منافسة رياضية إلى أزمة مجتمعية.

بدأت القصة مساء الأحد مع انطلاق أولى الروايات المسمومة، إذ ادّعت مصادر غير رسمية جزائرية وقوع حادث مأساوي داخل الملعب أسفر عن وفاة منظم مغربي، وهي رواية سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم. وفي مفارقة تكشف عن نمط متعمّد، كانت رواية مماثلة قد رُوِّج لها يوم السبت، تزعم وفاة مواطن سنغالي على الأراضي المغربية. التحقيقات اللاحقة أثبتت زيف الروايتين بشكل قاطع.

يتتبع التحليل مسارين متوازيين للتضليل؛ الأول يقوم على الاستغلال الذكي للحظة العاطفية الهشّة التي تعقب المنافسات الكبرى، حيث تبلغ المشاعر الجمعية ذروتها ويتراجع منسوب العقلانية. أما المسار الثاني فيتمثل في تصميم روايات متماثلة ولكن معكوسة، بهدف إشعال التوتر من الجانبين وخلق انطباع زائف بوجود عداء متبادل.

تكشف عملية التتبع أن هذه الشائعات لم تنشأ من فراغ، بل استثمرت رصيداً متراكماً من الصور النمطية والهواجس المجتمعية الكامنة. المنافسة الرياضية، بحكم طبيعتها الثنائية، وفّرت الإطار المثالي لتغذية هذه الهواجس وتحويلها إلى خطاب كراهية مكشوف، حيث تحوّل خطاب «نحن ضدهم» الرياضي البريء إلى سلاح رقمي مسموم.

يلقي التحقيق الضوء على الدور الحاسم لما يمكن تسميته «المُضخِّمات الرقمية»، وهي حسابات مؤثرة وُظِّفت، عن قصد أو عن غير قصد، لنقل الروايات الكاذبة دون تمحيص. هذه الحسابات، بما تمتلكه من سلطة رمزية وقاعدة جماهيرية واسعة، منحت الشائعات هالة من المصداقية الوهمية، وسرّعت انتشارها عبر الحدود الجغرافية والثقافية.

يُظهر المسار الزمني للأحداث فجوة خطيرة بين سرعة انتشار التضليل الرقمي، التي تُقاس بالدقائق، وبطء آليات التصحيح الرسمية والإعلامية التقليدية. ورغم أن المديرية العامة للأمن الوطني أصدرت نفياً رسمياً، فإن التصحيح وصل بعد أن كانت الشائعة قد بلغت ذروة انتشارها وتأثيرها النفسي.

في قلب هذه العاصفة، يبرز سؤال المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات الإعلامية. بيانات جهات مهنية، من بينها الشبكة المغربية لصحفيي الهجرة، حملت إشارات واضحة إلى تقصير بعض الوسائل في واجب التحقق، وتحولها إلى نواقل للمعلومات غير المؤكدة، ما أسهم في تضخيم الأزمة بدل احتوائها.

اجتماعياً، تُظهر الوقائع أن خطاب الكراهية لم يكن نتيجة عرضية للشائعات، بل هدفاً مخططاً له. فقد تحولت الروايات الكاذبة إلى ذريعة لإطلاق العنان لخطاب عدواني يطعن في نوايا الطرف الآخر، ويعيد إنتاج الصور النمطية بأشكال أكثر حدّة وعنفاً.

قانونياً وأمنياً، تطرح الحادثة أسئلة ملحّة حول فاعلية الآليات الحالية في مواجهة التضليل الرقمي المنظّم. الحاجة باتت ماسّة إلى تطوير إستراتيجيات تواصل استباقية تستبق انتشار الشائعات، وتستثمر أدوات التواصل الاجتماعي نفسها للوصول إلى الجمهور المستهدف بسرعة وكفاءة.

تُبرز المعطيات التي تم رصدها أن ظاهرة التضليل الرقمي المرتبط بالأحداث الرياضية الكبرى ليست حادثة معزولة، بل نموذجاً متكرراً يتطلب فهماً أعمق للتفاعل بين العوامل الرياضية والاجتماعية والتقنية. المنافسات الرياضية أضحت مختبرات حقيقية لاختبار مناعة المجتمعات ضد خطاب الكراهية وقدرتها على الحفاظ على تماسكها.

وتؤكد الوقائع أن مواجهة الشائعات وخطاب الكراهية تستدعي مقاربة شاملة تجمع بين التوعية الإعلامية، والتطوير التقني، والتعاون المؤسساتي، والحوار المجتمعي، إذ إن الفوز الحقيقي لا يتحقق على المستطيل الأخضر وحده، بل أيضاً في حماية النسيج الاجتماعي من التمزق الرقمي.

المقال التالي