آخر الأخبار

“ميثاق مجلس السلام” تحت المجهر: السيناريوهات الثلاثة وتأثيراتها على الدبلوماسية المغربية

أعلنت المملكة المغربية موافقتها على الانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة دبلوماسية استباقية تضع السياسة الخارجية المغربية أمام منعطف جديد. ويأتي هذا القرار نتيجة تقييم معمق لمواد الميثاق، الذي يتخذ من شعار «الانفصال عن المؤسسات التقليدية التي فشلت مراراً» منطلقاً، ويدعو إلى إنشاء «منظمة دولية أكثر مرونة وفعالية».

ويستند الموقف المغربي إلى قراءة دقيقة لمواد الميثاق، إذ ينص الفصل الأول على أن المجلس «منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات». ورغم اتساع هذا التعريف، فإن البند الداعي إلى الانفصال عن المنظومة الأممية يطرح تحديات جسيمة، تتطلب توازناً دقيقاً بين الالتزامات الدولية واستقلالية القرار السيادي.

السيناريو الأول: تحول المجلس إلى قوة دولية فاعلة ومؤثرة

يتيح السيناريو الأول إمكانية نجاح المجلس وتحوله إلى منصة دولية فاعلة، بديلة أو مكملة، قادرة على تحقيق اختراقات ملموسة في ملفات النزاعات العالقة. وترتبط مؤشرات تحقق هذا المسار بقدرة المجلس على استقطاب أكثر من أربعين دولة، وتحويل «دعوة الانضمام» التي يمتلكها الرئيس ترامب حصرياً إلى زخم دولي واسع.

في هذا السياق، تعزز العضوية الاستباقية للمغرب رصيده الدبلوماسي، وتوفر له منصة مؤثرة للتأثير في القضايا الإقليمية، مستفيداً من «المادة 3.1» التي تمنحه صوتاً واحداً مع هامش من المرونة في اتخاذ القرار. وتبقى «المادة 2.2»، التي تؤكد أنه «لا يجوز تفسير أي بند في هذا الميثاق على أنه يمنح مجلس السلام اختصاصاً داخل أراضي الدول الأعضاء»، الضمانة القانونية الأساسية التي يرتكز عليها المغرب لحماية سيادته الوطنية.

السيناريو الثاني: مجلس محدود النفوذ تتحكم فيه واشنطن مالياً

يتجه السيناريو الثاني نحو تحول المجلس إلى «نادٍ» محدود النفوذ، تهيمن عليه الدول الموالية لواشنطن والقادرة على تحمل الفاتورة المالية المرتفعة. ويقترب هذا المسار من التحقق إذا تحولت العضوية إلى معادلة «من يدفع أكثر يبقى أطول»، حيث لا تنتهي مدة العضوية، المحددة في ثلاث سنوات، بالنسبة للدول التي تساهم بأكثر من «مليار دولار نقداً»، وفق ما ينص عليه الميثاق.

في هذا الإطار، تواجه الدبلوماسية المغربية تحديات في التوفيق بين عضويتها ضمن هذه النخبة المالية وعلاقاتها المتجذرة مع الشركاء الأوروبيين المعارضين للمبادرة. وتقتضي هذه المعادلة براعة سياسية عالية لتحويل المقعد داخل المجلس إلى قناة تأثير فعالة مع الإدارة الأمريكية، مع الحفاظ على الشراكات الاستراتيجية مع بروكسل وباريس. وتزداد المعضلة تعقيداً بالنظر إلى أن مدة عضوية باقي الدول «ثلاث سنوات قابلة للتجديد بمحض إرادة الرئيس»، ما يجعل استمرارية العضوية رهينة بتقدير البيت الأبيض إلى حد كبير.

السيناريو الثالث: تصاعد التوتر الدولي واحتمال القطيعة مع الأمم المتحدة

يتوقع السيناريو الثالث تحول المجلس إلى منافس مباشر للأمم المتحدة، انسجاماً مع نص الديباجة التي تدعو صراحة إلى «الشجاعة للانفصال عنها». وقد يؤدي هذا المسار إلى إحداث شرخ عميق في النظام الدولي، خاصة إذا تبنى المجلس قرارات تتعارض مع قرارات مجلس الأمن، أو تحول إلى ملاذ بديل للدول القادرة مالياً والتي لا تجد لها موقعاً مؤثراً داخل الهياكل التقليدية.

ويضع هذا الاحتمال المغرب في موقع بالغ الحساسية، يفرض عليه التحرك بحذر بين نظامين دوليين متوازيين. وتكشف القراءة المتأنية عن توجه الرباط نحو اعتماد سياسة «انتقائية ذكية»، تشارك بموجبها في مبادرات المجلس التي تتقاطع مع مصالحها الوطنية، مع التمسك الكامل بالميثاق الأممي بوصفه المرجعية العليا. ويستمد هذا النهج مشروعيته من «المادة 3.1» التي تخول للدول الأعضاء «تقديم توصيات وتوجيهات بشأن أنشطة المجلس التنفيذي»، بما يمنح المغرب هامشاً للمناورة والتأثير من الداخل.

الأوراق الخفية: مرونة مغربية في التعامل مع مشروع غير مستقر

تكشف هذه السيناريوهات عن شبكة معقدة من الحسابات، إذ تدرك الدبلوماسية المغربية هشاشة البناء المؤسسي للمجلس لصالح تركيز السلطة الفردية، حيث تمنح «المادة 7» الرئيس «السلطة النهائية في تفسير الميثاق وتطبيقه». كما أن نظام التمويل غير المتكافئ قد يكرس هيمنة الدول المانحة، ما يستدعي بلورة استراتيجية مالية ذكية داخل هذا الإطار الجديد.

ويبدو الخيار المغربي واعياً بطبيعة المشروع المؤقت، إذ تسمح «المادة 10.2» للرئيس بحل المجلس «في الوقت الذي يراه ضرورياً أو مناسباً». ويدفع هذا المعطى الدبلوماسية المغربية إلى اعتماد استراتيجية مرنة، قادرة على اقتناص الفرص في حال نجاح التجربة، وتقليص المخاطر في حال تعثرها، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الانخراط البراغماتي في المبادرة الجديدة والارتكاز الثابت على المنظومة الدولية التقليدية باعتبارها الإطار الأكثر استقراراً وفعالية.

المقال التالي