الوجود بعد سقوط المعنى: قراءة بيكيتية في لحظة الهزيمة والانكشاف

ادريس الروخ
تقول الفلسفة الوجودية، كما صاغها جان بول سارتر، إن الإنسان لا يولد مزودًا بمعنى جاهز للحياة، بل يصنع معناه عبر الفعل والاختيار. فالوجود يسبق الماهية، والحرية هي الشرط الأساسي لكل معنى محتمل، حتى في أقسى الظروف. لكن صمويل بيكيت، في مسرحيته الشهيرة «نهاية اللعبة»، يطرح سؤالًا أكثر تشاؤمًا: ماذا يحدث عندما تنهار القدرة نفسها على صناعة المعنى؟
في عالم بيكيت، يستمر الوجود رغم إفلاسه الدلالي. الشخصيات موجودة، لكنها عاجزة عن الفعل الحقيقي. الإرادة مشلولة، والحرية تتحول إلى وهم. حتى البقاء نفسه يبدو حكمًا مفروضًا، لا خيارًا واعيًا. هكذا نجد أنفسنا أمام حياة بلا مشروع، ووجود بلا أفق.
عجز الشخصيات عن الحركة أو الجلوس ليس مجرد ضعف جسدي، بل انعكاس لخلل وجودي أعمق: لا أحد مكتمل، ولا أحد في حالة طبيعية. الجسد يصبح علامة على استحالة الحياة، واللغة مجرد أداة لمقاومة الصمت، لا لنقل المعنى. الكلمات تُقال فقط لتملأ الفراغ، والزمن يبدو دائريًا، يعيد نفسه بلا وعد أو نهاية.
بيكيت لا يقدم مأساة بطولية، ولا يبحث عن معنى مفقود. هو يصور العيش بعد سقوط المعنى: حياة تستمر رغم انهيار الدوافع، وكلام يستمر رغم فقدانه المعنى.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة لحظات الواقع المعاصر بوصفها امتدادًا رمزيًا لهذا العالم العبثي. فعند سقوط فريق أو بلد، لا يكون الاحتفال مجرد رد فعل رياضي، بل كشفًا أخلاقيًا وثقافيًا. ما يُفرح الناس هنا ليس الفوز، بل انهيار الآخر، ليس الإنجاز، بل سقوط الصورة التي أزعجتهم. الفرح ينشأ من فراغ يبحث عن موضوع يعلّق عليه وجوده، وكأن الآخر يصبح ضرورة نفسية لتبرير الذات.
هنا يظهر مثال المغرب بوضوح: فقد سعى، بحكمة سديدة ورؤية واضحة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وبعزيمة أبنائه، إلى إيجاد مكان له في المنظومة العالمية، وتطوير كل الآليات: الاقتصادي والثقافي والرياضي والبنيات التحتية وغيرها. لكن هذا التقدم، بدل أن يُحتفى به، أصبح نقطة توتر لبعض البلدان الإفريقية والعربية التي لم تستطع أن تواكب ما وصل إليه المغرب، فحاولت البحث عن وسائل لإسقاطه أو تشويه نجاحاته، وإجباره على الرجوع إلى المستنقع.
المغرب، رغم ذلك، لم يقبل أن يظل عالقًا أو يعيش في المستنقع. ظل يعيش في أجواء صافية، يسعى لتطوير بنياته ووسائل عيشه، وهو ما خلق صراعًا بين التقدم والغيرة، بين رؤية البناء والقدرة على التدمير لدى الآخرين. وهنا تتحقق العبثية: حين يُصبح التطور ذاته سببًا للنقمة، وعندما يحاول من لم يكتسب أدوات المعايشة أن يعرقل من بلغ التقدم، يتحوّل الزمن إلى حلقة مفرغة، ويبدو أن الجهود تدور بلا نهاية، بعيدًا عن الزمن الحقيقي للتطور.
في هذا الإطار، تكشف أي انتصارات أو انكسارات عن فراغ أعمق: النصر غالبًا يكشف عن فراغ، وعجز عن إنتاج معنى آخر سوى عبر نفي الآخر. هذه القراءة صادمة، لكنها واضحة، وتدفعنا للتأمل في طبيعة القوة والمعنى والفراغ في عالم معقّد.
وفي النهاية، تتجسد هذه الحقيقة في لحظة صغيرة من حياتي: بدأت ابنتي الصغيرة تبكي وتقول لي: «أبي، أريد أن ننتصر». حاولت أن أجيبها بعقلانية: «هذه هي اللعبة». لكنها نظرت إليّ ببراءة وسألتني بكلماتها البسيطة: «لعبة من؟». في براءة سؤالها يكمن جوهر كل معنى: النصر أو اللعبة نفسها لا قيمة لها إذا لم نفهم من يشاركنا الوجود فيها، ومن يمنحها قواعده، ومن يمنحها معنى.
هنا يلتقي عالم بيكيت مع حياتنا اليومية: استمرار الكلام والعمل رغم انهيار المعاني المحيطة، والقدرة على البحث عن معنى حتى في اللحظات الصعبة، هو ما يمنحنا القوة للمضي قدمًا رغم العبث والفراغ، ويؤكد أن التطور والمعنى ليسا فقط ما نصل إليه، بل أيضًا القدرة على الاستمرار في السير قدمًا رغم كل العراقيل .

تعليقات