عودة “بوليساريو” للتفاوض… اعتراف متأخر بانهيار الوهم الانفصالي

يحاول الإعلان المتداول عن تشكيل وفد تفاوضي لجبهة “بوليساريو” الانفصالية أن يبدو، في ظاهره، خطوة تنظيمية عادية، لكنه في عمقه يعكس ارتباكا سياسيا عميقا تعيشه قيادة المخيمات، أكثر مما يعبر عن مبادرة مستقلة أو قناعة حقيقية بالحل.
فاختيار تسويق الخبر عبر تفاصيل تقنية وأسماء وشكليات، لا يخفي حقيقة أن الجبهة وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى مسار كانت ترفضه علنا وتشيطنه لسنوات.
الواقع -حسب العديد من المحللين- أن هذا التحول لا يمكن فصله عن انسداد الأفق الذي وصلت إليه الأطروحة الانفصالية، بعدما فقدت قدرتها على إقناع المنتظم الدولي، وتآكل رصيدها السياسي والدبلوماسي بشكل غير مسبوق. فخطاب التصعيد وادعاء “الحسم” و”الكفاح المسلح” لم ينتج سوى عزلة أكبر، وترك سكان المخيمات رهائن لوهم طال أمده دون أفق واضح.
وإذا كانت “بوليساريو” تقدم هذا التطور على أنه استعداد تفاوضي، فإن المعطيات تشير إلى أنه امتثال لإرادة خارجية أكثر منه قراراً ذاتيا؛ فالتحريك الحقيقي للملف يتم من خارج الرابوني، في سياق إقليمي ودولي لم يعد يسمح باستدامة نزاع مفتعل، ولا بتوظيفه كورقة ضغط ضد المغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة دعما دوليا متزايدا لمبادرة الحكم الذاتي.
في المقابل، يبرز الطرح المغربي اليوم كخيار واقعي ومسؤول، لا يقوم على منطق الغلبة أو الإقصاء، بل على حل سياسي يضمن الكرامة والحقوق والتنمية لسكان الأقاليم الجنوبية، في إطار السيادة الوطنية. وهو ما جعل الحكم الذاتي يحظى باعتراف متنام باعتباره الإطار الوحيد القابل للتطبيق، بعيدا عن الشعارات المتجاوزة.
إن عودة “بوليساريو” إلى طاولة التفاوض، بعد سنوات من الرفض والإنكار، ليست سوى اعتراف ضمني بانتهاء مرحلة الوهم، وبأن الزمن الدولي تغير، وأن منطق الواقعية السياسية فرض نفسه؛ أما المغرب، فيدخل هذا المسار من موقع قوة وثقة، مستنداً إلى مشروعية تاريخية، ورؤية تنموية، وخطاب سياسي وإنساني واضح يضع مصلحة الصحراويين في صلب الحل، لا في هامش الصراع.

تعليقات