تقرير : بعد نجاح «الكان».. المغرب يصنع مسار التاريخ نحو مونديال 2030

يجسد المشهد الرياضي المغربي حالياً معادلة استثنائية، تتقاطع فيها الإنجازات داخل المستطيل الأخضر مع قفزات تنظيمية كبرى خارجه. مسار مزدوج يقود المملكة نحو محطة تاريخية تتمثل في استضافة كأس العالم 2030، بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، كأول نسخة ثلاثية في تاريخ البطولة. ولم يكن النجاح اللافت في تنظيم كأس الأمم الأفريقية حدثاً معزولاً، بل شكّل فصلاً بارزاً في مسار طويل من التخطيط والإعداد الممنهج.
«الكان».. محطة اختبار ناجحة للمشروع الكبير
تجلت قوة المنظومة التنظيمية المغربية يوم الأحد، حين تزامن بلوغ المنتخب الوطني المباراة النهائية بعد غياب طويل مع تدفق إشادات دولية واسعة بحسن التنظيم وجودة البنية التحتية. هذا التزامن حمل دلالات عميقة، لم يُقرأ كصدفة عابرة، بل كنتاج رؤية استراتيجية تعاملت مع البطولة الأفريقية باعتبارها محطة اختبار حيوية وأرضية تدريب عملي لا غنى عنها قبل الموعد العالمي الأكبر.
تفوق واضح على التجارب الأفريقية السابقة
يبرز نجاح هذا النهج بشكل أوضح عند مقارنته بتجارب أفريقية سابقة، فقد شهدت نسخ من كأس الأمم الأفريقية، من بينها نسخة الكاميرون، اختلالات تنظيمية شديدة شملت التأجيلات ومشاكل لوجستية معقدة. في المقابل، قدّم المغرب نسخة سلسة وهادئة، استقبلت فيها الملاعب الحديثة الفرق والجماهير في ظروف مثالية رغم الإكراهات المناخية. هذا النجاح دفع رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي، إلى الإشادة بالمنشآت «عالمية المستوى»، في اعتراف صريح بقيمة الاستثمار المغربي.
ملاعب عملاقة تستعد لاستقبال العالم
يرتكز هذا الاستثمار على تطوير منظومة متكاملة من المنشآت الرياضية عالية الجودة. ويُعد مشروع ملعب الحسن الثاني، الجاري تشييده بضواحي الدار البيضاء، أبرز تجسيد لهذه الطموحات، ببطاقة استيعابية تتجاوز 115 ألف متفرج، مرشح ليكون من أكبر ملاعب العالم، ويحمل رسالة واضحة حول حجم الرهان وجدية الرؤية. وينضم هذا المشروع إلى شبكة تضم ملاعب حديثة أخرى، من بينها ملعب طنجة الكبير وملعب مراكش.
«البراق» وشبكة النقل.. شرايين الحدث الحيوية
لا تقل شبكة النقل والمواصلات أهمية عن الملاعب ذاتها. فقد أثبت مشروع «البراق»، القطار فائق السرعة الرابط بين طنجة والدار البيضاء، دوره كشريان حيوي خلال كأس الأمم الأفريقية. والتخطيط الجاري يركز على توسيع هذه الشبكة وربط المدن المضيفة بوسائل نقل سريعة وفعالة، بما يضمن تنقلاً سلساً لملايين المشجعين المرتقبين، وهو ما يستدعي تطويراً متزامناً للمطارات والطرق السيارة.
تراكم الخبرات وبناء «العضلات التنظيمية»
خلف هذه البنية التحتية الملموسة، راكم المغرب خبرات بشرية ولوجستية وازنة. إدارة ملفات معقدة تشمل إيواء المنتخبات، وتأمينها، ونقلها بين المدن، واستضافة آلاف الصحافيين، وضمان خدمات بث واتصال بمعايير دولية، كلها عناصر أسست لما يمكن وصفه بـ«العضلات التنظيمية» القابلة للتطوير والتحجيم بما يتناسب مع حجم كأس العالم.
الانتقال من أفريقيا إلى العالم.. سقف التحدي يرتفع
في المقابل، يعي المسؤولون المغاربة أن سقف التحدي سيرتفع بشكل غير مسبوق. فقد نبّه فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى الفارق الكمي والنوعي، مشيراً إلى أن عدد الزوار قد ينتقل من نحو مليون خلال «الكان» إلى ما يفوق عشرة ملايين خلال المونديال. وهذا الإدراك يدفع نحو استعدادات أشمل، تشمل تطوير منظومة الضيافة، ورفع الطاقة الاستيعابية للفنادق، وإدارة تدفق الحشود، وتسويق التذاكر على نطاق عالمي واسع.
ثقة عالمية تدعم المسار المغربي
وجدت هذه الجهود صدى إيجابياً لدى أعلى الهيئات الكروية الدولية، إذ أكد جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، أن المغرب «يمكنه عملياً استضافة كأس العالم اليوم». وثقة تعززها أيضاً رغبة الاتحاد الأفريقي في إقامة المباراة النهائية على الأراضي المغربية، كما عبّر عنها موتسيبي، ما يمنح المملكة زخماً إضافياً ويكرّس موقعها كفاعل محوري في المشهد الكروي العالمي.
بهذا المعنى، لا يتقدم المغرب نحو 2030 بالملاعب الحديثة والقطارات السريعة فقط، بل بعقلية تنظيمية شاملة، وفلسفة تقوم على التعلم من كل محطة، ووعي دقيق بحجم المسؤولية. مسيرة تراكمت فيها الاستثمارات المادية والتجارب العملية على مدى سنوات، لتتحول إلى رصيد من الثقة والجاهزية، قادر على إدارة أكبر حدث كروي في العالم وتقديم نموذج استضافة أفريقي يليق بثقة المنتظم الدولي.

تعليقات