خطة طوارئ إعلامية: كيف استقبلت الأجهزة الجزائرية “صدمة” التقارب الشعبي في المدرجات؟

في مشهد نادر، تحولت مدرجات ملاعب كأس أمم إفريقيا إلى ساحة لقاء عفوية، حيث شارك آلاف المشجعين المغاربة والجزائريين الأهازيج والابتسامات. هذا اللقاء البسيط، الذي جسدته عدسات الصحافة العالمية، كان كافياً لإطلاق ما يمكن وصفه بحملة مضادة موسعة من قبل الأجهزة الإعلامية الرسمية في الجزائر، في محاولة لاحتواء تداعيات صورة لم تكن في الحسبان.
تصاعدت وتيرة هذه الحملة بشكل ملحوظ مع عودة أولى رحلات المشجعين الجزائريين. وقد نقلت تقارير صحفية مستقلة شهادات مباشرة لهم، أشادت بتنظيم البطولة وجودة البنى التحتية والاستقبال الحار الذي وجدوه، وهو ما شكل تحدياً مباشراً للرواية السائدة لسنوات في الخطاب الإعلامي الموجه داخلياً.
رداً على ذلك، تحركت الآلة الإعلامية الحكومية بوتيرة متسارعة، فخصصت نشرات الأخبار الرئيسية تقارير مطولة تركز حصراً على مزاعم تتعلق بأخطاء تحكيمية مفترضة ضد المنتخب الجزائري، في محاولة لتحويل بوصلة النقاش من اللقاء الإنساني إلى ساحة الشكاوى الرياضية.
وبالتوازي، تم تفعيل شبكة من المعلقين والمؤثرين الموالين على منصات التواصل الاجتماعي، ركز خطابهم على نشر نظريات مؤامرة واسعة، تصور الحدث الرياضي برمته على أنه «مشروع ممنهج» يهدف إلى تحسين صورة الخصم الإقليمي على حساب الجزائر، متجاوزين بذلك كل المعايير المهنية.
ولم تكتفِ هذه الحملة بالجانب التفسيري، بل اتجهت نحو التصنيع، فقد تم تداول مقاطع فيديو مجهولة المصدر تدعي عرضها لمشاجرات أو إهانات بين المشجعين، وأثبتت عدة جهات رقابية مستقلة لاحقاً أن بعض هذه المقاطع كان منقولاً عن أحداث في دول أخرى أو مفبركاً بالكامل.
يأتي هذا الجهد الإعلامي المكثف في سياق سياسي واجتماعي داخلي حساس، ففي الأسبوع ذاته شهد الشارع الجزائري احتجاجات متفرقة لسائقي النقل، وأصدرت تصريحات رسمية تعترف بأزمات في السلع الأساسية، مما يطرح تساؤلات حول توقيت وتيرة هذه الحملة الخارجية.
يحلل خبراء الإعلام الذين تحدث معهم «مغرب تايمز» هذه الظاهرة على أنها جزء من «استراتيجية الصندوق الأسود» التقليدية، حيث يتم اختلاق أزمة خارجية لصرف الانتباه الجماعي عن الملفات الداخلية الملحة. ويشيرون إلى أن استخدام كرة القدم كأداة في هذا الصراع ليس بالأمر الجديد، لكن كثافته هذه المرة كانت لافتة.
من جهة أخرى، يرى خبراء في علم الاجتماع السياسي أن رد الفعل يعكس «هشاشة الرواية الأحادية»، فالصورة الذهنية التي عملت الأجهزة على بنائها لسنوات عن الجار الغربي اصطدمت بشهادات آلاف المواطنين العاديين الذين شاهدوا واقعاً مختلفاً، مما أحدث ما يشبه «الشرخ المعرفي» الذي حاولت المؤسسة الرسمية إصلاحه بسرعة.
عالمياً، لاقت التغطية الإعلامية لهذه الحملة استغراباً واسعاً، فقد أشادت تقارير دورية مثل «ذي إيكونوميست» و«لوموند» بتنظيم المغرب للبطولة وتفاعل الجماهير، مما جعل الخطاب الجزائري الرسمي يبدو منعزلاً عن التقييم الرياضي الدولي المهني ومرتبطاً بهواجس سياسية بحتة.
تكشف هذه الواقعة عن معادلة إعلامية معقدة في العصر الرقمي، فبينما لم تعد الدولة قادرة على التحكم الكامل في المعلومات التي يتلقاها مواطنوها، خاصة عندما يختبرون الواقع مباشرة، إلا أنها لا تزال تملك أدوات لتشكيل الرأي العام الداخلي عبر التكرار والتضخيم. ومع ذلك، تبقى التساؤلات حول متانة التأثير طويل المدى لهذه الأدوات في مواجهة التجارب الشخصية المباشرة التي عاشها آلاف الجزائريين خلال أيام البطولة.

تعليقات