من الكراوي إلى الراشدي: هل تُنصف محاسبة أخنوش «ضحاياه»؟

يعيد إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش اعتزامه التنحي إلى الواجهة جدلاً حول مصير شخصيات عدّة وصفتها أوساط سياسية وإعلامية بأنها «ضحايا» أسلوبه في إدارة السلطة. يتصدر قائمة هذه الأسماء عبد الرحيم الكراوي، رئيس مجلس المنافسة السابق، ومحمد الراشدي، الرئيس السابق لهيئة الوقاية من الرشوة.
كان عبد الرحيم الكراوي قد دفع ثمناً باهظاً لجرأته في طرح ملف حساس يتعلق بقطاع المحروقات، حيث أُبعد من موقعه بعد تقرير أعدّه المجلس كشف عن اختلالات مهمة. وقبل إبعاده، أطلق الرجل تحذيراً جريئاً بأن المغرب «يقف عند مفترق طرق» ويحتاج إلى «تناوب من نوع جديد». لكن صوته خفت سريعاً، ليتحوّل إلى رمز صامت على مصير النقد المؤسساتي المستقل في ظل مناخ سياسي اتُّهمت فيه الحكومة بتضييق الخناق على الأصوات المعارضة.
أما محمد الراشدي، فقد غادر منصبه في هيئة النزاهة وسط عاصفة من الجدل. وكان الرجل قد وجه انتقادات علنية مباشرة، اتهم فيها رئيس الحكومة بالتهرّب من عقد اجتماعات الهيئة الوطنية لمحاربة الفساد، ووصف الفساد في عهد تلك الحكومة بأنه «صار عريساً». لم تتأخر ردة الفعل الرسمية، حيث شنّ الناطق الرسمي باسم الحكومة هجوماً حاداً عليه، في خطوة فُسرت على أنها تمهيد لعزله، وهو ما حدث فعلياً فيما بعد.
ولا تقتصر القائمة على هذين الاسمين البارزين. فقد سبق أن أُبعد إدريس جطو من المشهد السياسي بعدما فتح ملف المخطط الأخضر الزراعي. كما غيّر أحمد الحليمي موقعه من رئاسة المندوبية السامية للتخطيط، وهي المؤسسة التي كانت تقاريرها الدورية تشكّل نقداً موضوعياً لسياسات الحكومة الاقتصادية. وأُبعد أيضاً الإعلامي والناقد المعروف عبد الصمد الشامي عبر تعيينه سفيراً للمغرب لدى الاتحاد الأوروبي، وهو تحوّل فُسر في الأوساط الإعلامية على أنه إبعاد له عن الساحة المحلية.
يطرح رحيل أخنوش اليوم سؤالاً أساسياً: هل ستفتح هذه الخطوة الباب أمام محاسبة حقيقية للممارسات التي اتُهمت بها حكومته؟ وهل يمكن أن تشكل هذه المحاسبة، إن وقعت، رد اعتبار أو إنصافاً لأولئك الذين تضررت مساراتهم المهنية أو تم إسكات أصواتهم؟
الإجابة عن هذا السؤال معقدة. فالقضية تتجاوز الأفراد إلى طبيعة المناخ السياسي والمؤسسي السائد، ومدى استعداد الجهاز التنفيذي وما فوقه لتقبّل الرقابة والنقد البناء من المؤسسات الدستورية المستقلة. كما أن جوهر التناوب السياسي المقبل ومدى إرادة الفاعلين الجدد في كشف حقبة سابقة وتصحيح مسارها سيكون عاملاً حاسماً في تحديد مصير هذه الملفات.
على الأرض، تشهد الخريطة الحزبية المغربية حراكاً مكثفاً استعداداً للمرحلة المقبلة. أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يترأسه أخنوش، فتح باب الترشيحات لخلافته على رأس الحزب. في المقابل، أجل حزب الأصالة والمعاصرة عقد مجلسه الوطني، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس ترقّباً لاستقرار المشهد الداخلي لحزب الخصم الرئيسي قبل اتخاذ القرارات المصيرية.
يبقى السؤال معلقاً بين دهاليز السياسة وصالات السلطة: هل يشكل رحيل الرجل نقطة بداية لمساءلة جريئة تضيء على ملفات من سُمّوا «ضحايا» تلك الحقبة؟ أم أن الصفحة ستُقلَب دون محاسبة كما عهدناه سابقاً، لتتحول تلك الشهادات إلى مجرد فصول في تاريخ سياسي ينتظر حكماً أكثر موضوعية من الأجيال القادمة؟ الوقت وحده سيكون قاضياً عادلاً في هذه القضية الشائكة.

تعليقات