432 مليون كيلوغرام نحو أوروبا… وفاتورة الغلاء تثقل السوق المغربية

تمرّ الفلاحة بالمملكة المغربية بمرحلة دقيقة تكشفها أرقام التبادل التجاري مع الشركاء الأوروبيين. ففي الوقت الذي تُسجّل فيه الصادرات الفلاحية أداءً لافتاً، تتزايد داخل السوق الوطنية مظاهر التوتر المرتبطة بارتفاع الأسعار وضعف العرض، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول اختلال الأولويات بين الخارج والداخل، وحول حدود استفادة المستهلك المغربي من هذا الزخم التصديري.
المعطيات الرسمية الإسبانية، الصادرة اليوم، ترسم ملامح هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت واردات إسبانيا من الخضر والفواكه المغربية أكثر من 432 مليون كيلوغرام خلال ثمانية أشهر فقط، بقيمة مالية ناهزت 976 مليون يورو. هذه الأرقام لا تعكس فقط توسعاً في حجم المبادلات، بل تؤكد أيضاً ارتفاع القيمة، بعدما بلغ متوسط سعر الكيلوغرام الواحد 2.26 يورو، مقابل نحو 1.4 يورو قبل عشر سنوات، ما يعكس تحسناً في الجودة والتثمين.
وتكشف تركيبة الصادرات عن توجه زراعي موجه بدقة نحو الأسواق الخارجية. فالفلفل يتصدر قائمة المنتجات المصدَّرة بأكثر من 75 مليون كيلوغرام، تليه الطماطم بحوالي 55 مليون كيلوغرام، ثم البطيخ الأحمر. كما يبرز الأفوكادو كأحد أكثر المنتجات نمواً، بعدما تحولت زراعته من نشاط محدود إلى رافعة تصديرية أساسية، مع ارتفاع الكميات المصدَّرة إلى 31 مليون كيلوغرام، بنمو قياسي بلغ 779 في المائة منذ 2016، مدفوعاً بالطلب الأوروبي المرتفع.
هذا التوجه التصديري لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استثمارات مكثفة في السقي العصري، وسلاسل التبريد، والتوضيب، واحترام المعايير الصحية الدولية، خاصة في مناطق فلاحية كبرى مثل سوس والحوز. كما أسهم في تعزيز احتياطي العملة الصعبة، ودعم ميزان المدفوعات، وخلق فرص شغل موسمية ودائمة، ما يجعل منه خياراً اقتصادياً إستراتيجياً بالنسبة للاقتصاد الوطني.
غير أن الصورة تختلف داخل الأسواق المحلية، حيث يواجه المستهلك المغربي ارتفاعاً متواصلاً في أسعار الخضر والفواكه نفسها التي تُصدَّر بكثافة. هذا التناقض يطرح سؤالاً محورياً حول أسباب غياب الأثر الإيجابي للتصدير على الأسعار الداخلية، وحول الكيفية التي يُعاد بها توزيع القيمة المضافة داخل السلسلة الفلاحية.
التحليل الذي قام به «مغرب تايمز» يُظهر أن جزءاً كبيراً من عائدات التصدير يُستنزف في سلاسل لوجستية معقدة تشمل النقل المبرد، والتخزين، والتعبئة، والتسويق الدولي. وفي الداخل، تزيد تعددية الوسطاء وضعف تنظيم الأسواق من الفجوة بين سعر المنتج عند الفلاح وسعره عند المستهلك، ما يفاقم الإحساس بالغلاء ويحدّ من أي أثر إيجابي محتمل لارتفاع الإنتاج.
كما يبرز تفاوت واضح في توزيع الدعم العمومي، إذ تحظى الزراعات التصديرية بحصة وازنة من التحفيزات والتسهيلات الائتمانية لضمان تنافسيتها الخارجية، بينما تواجه الزراعات الموجهة للسوق الوطنية صعوبات مرتبطة بارتفاع كلفة المدخلات، وضعف التخزين، وهشاشة قنوات التسويق، ما ينعكس مباشرة على توازن العرض والأسعار.
ضمن هذه المعادلة، يستفيد كبار المنتجين والمصدّرين المرتبطين بعقود ثابتة مع شبكات التوزيع الأوروبية من الاستقرار والعائدات المرتفعة، كما تستفيد الأسواق الخارجية من وفرة منتجات عالية الجودة بأسعار تنافسية. في المقابل، يظل المزارع الصغير والمستهلك المحلي الطرف الأضعف، وسط منظومة لا تضمن بالضرورة عدالة توزيع الثروة داخل القطاع.
ولا يدعو هذا الواقع إلى التشكيك في أهمية التصدير، باعتباره خياراً اقتصادياً حيوياً، بل يسلّط الضوء على الحاجة إلى إعادة ضبط التوازن. فالمطلوب هو سياسة فلاحية مزدوجة، تحافظ على تنافسية التصدير، وفي الوقت نفسه تعزز سلاسل التسويق المحلية، وتدعم الزراعة الموجهة للاستهلاك الداخلي، بما يساهم في استقرار الأسعار وضمان الأمن الغذائي.
تكشف تجربة تصدير 432 مليون كيلوغرام من الخضر والفواكه إلى أوروبا عن نجاح خارجي لا جدال فيه، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً مركزياً حول مكانة السوق الوطنية في هذا النموذج. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في مضاعفة الأرقام، بل في تحويل هذا الأداء إلى مكسب متوازن يشعر به المواطن المغربي في سوقه اليومي، قبل أن يقرأ عنه في تقارير التصدير.

تعليقات