قرار أخنوش عدم الترشح: قراءة في ما وراء اللحظة التنظيمية والتحولات الصامتة في المشهد السياسي المغربي

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
لم يكن إعلان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار مجرد قرار تنظيمي داخلي، ولا خطوة إجرائية معزولة تحكمها بنود النظام الأساسي للحزب فقط. بل إن هذا الإعلان، في توقيته ودلالاته، يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز منطق التداول الحزبي، لتلامس تحولات أعمق يعرفها الحقل السياسي المغربي في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات الانتخابات، وميزان الثقة الشعبية، وإعادة ترتيب مراكز التأثير داخل النسق الحزبي.
فأن يُعلن زعيم حزب يقود الحكومة، ويملك آلة تنظيمية وانتخابية قوية، انسحابه من سباق القيادة قبل الاستحقاقات التشريعية، فذلك سلوك غير مألوف في التجربة السياسية المغربية، التي اعتادت أن تُفرز نتائج الانتخابات لحظة الحسم في مصير القيادات، لا أن تسبقها. وهذا ما يجعل القرار محمّلًا بإشارات سياسية تتجاوز الخطاب الرسمي المعلن حول “احترام القوانين الداخلية” أو “عدم التشبث بالكراسي”.
من زاوية أولى، يمكن قراءة القرار بوصفه محاولة لإعادة هندسة صورة الحزب في أعين الرأي العام. فقد ارتبط اسم أخنوش، خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بإدارة الشأن الحكومي، بل أيضًا بنقاش واسع حول تداخل المال بالسياسة، وحدود نموذج “رجل الأعمال – السياسي”، وما يطرحه من إشكالات أخلاقية ومؤسساتية في سياق اجتماعي يشهد ضغطًا متزايدًا على القدرة الشرائية، واحتجاجات شبابية تعكس أزمة ثقة متنامية بين المواطن والنخب الحاكمة. في هذا السياق، قد يُفهم الانسحاب من قيادة الحزب كآلية لامتصاص التوتر، وفصل جزئي بين صورة الحزب ومركز الجدل الذي أصبح يمثله زعيمه.
ومن زاوية ثانية، يطرح القرار سؤال القيادة البديلة داخل حزب بُني، خلال العقد الأخير، حول شخصية مركزية أكثر مما بُني على تعددية زعامات. فالتجمع الوطني للأحرار نجح انتخابيًا وتنظيميًا، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إنتاج نخبة قيادية ذات إشعاع مستقل، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد أخنوش اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحزب على الانتقال من “حزب القائد” إلى “حزب المؤسسة”. هذا التحول، إن لم يُدار بحذر، قد يفتح الباب أمام تنافس داخلي صامت، أو إعادة توزيع النفوذ بين شبكات تنظيمية واقتصادية ظلت لسنوات تعمل في ظل زعامة واحدة.
في المقابل، لا يمكن عزل القرار عن السياق العام الذي يحكم منطق تداول السلطة التنفيذية في المغرب. فالتجربة السياسية الوطنية أظهرت، بشكل غير مكتوب، ميلًا واضحًا نحو عدم تجديد الوجوه نفسها على رأس الحكومة لولايتين متتاليتين، حتى في حال الفوز الانتخابي. ومن هذا المنظور، قد يكون إعلان أخنوش خطوة استباقية لرفع الكلفة السياسية عن الحزب، وإبقاء حظوظه مفتوحة في مفاوضات ما بعد الانتخابات المقبلة، من خلال تقديم قيادة جديدة أقل استقطابًا للجدل، وأكثر قابلية للتوافق.
كما أن التوقيت لا يخلو من دلالة. فالإعلان جاء في مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية، ما يمنح الحزب هامشًا زمنيًا لإعادة ترتيب صفوفه، وتقديم خطاب جديد، وربما وجوه جديدة، قادرة على مخاطبة فئات اجتماعية باتت أكثر نقدًا، وأقل قابلية للتعبئة التقليدية. وهو ما قد يُقرأ كمحاولة للانتقال من منطق الدفاع عن الحصيلة الحكومية، إلى منطق إعادة التموضع السياسي.
وبحكم متابعتي للشأن السياسي المغربي من موقع صحفي ينتمي إلى مغاربة العالم، وتحديدًا من إيطاليا، فإن هذا القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن الإحساس المتنامي لدى فئات واسعة من مغاربة الخارج بأنهم، رغم ارتباطهم العميق بقضايا الوطن، ما زالوا خارج دوائر التأثير السياسي والمؤسساتي. فنحن نتابع ما يجري في المغرب بدقة واهتمام، ونقارن بين الخطاب الرسمي حول إشراك الكفاءات المغربية بالخارج، وبين واقع الإقصاء أو التهميش الذي يطال فاعلين وخبرات راكمت تجارب مهمة في الديمقراطيات الغربية. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة كجزء من نقاش أوسع حول تجديد النخب، ومصداقية الخطاب السياسي، وقدرة الفاعلين الحزبيين على استيعاب تحولات المجتمع المغربي داخل الوطن وخارجه، في لحظة دقيقة تتطلب شجاعة سياسية أكثر من أي وقت مضى.
في المحصلة، لا يبدو قرار عدم ترشح عزيز أخنوش لولاية ثالثة قرارًا بسيطًا ولا أحادي البعد. إنه لحظة مفصلية تكشف هشاشة التوازن بين القيادة الفردية والمؤسسة الحزبية، وتعكس في الآن ذاته إدراكًا متزايدًا بأن المرحلة المقبلة ستُحسم ليس فقط بالأرقام الانتخابية، بل بمدى القدرة على استعادة الثقة، وتجديد النخب، وتقديم عرض سياسي أكثر انسجامًا مع التحولات الاجتماعية التي يشهدها المغرب.
وإذا كان أخنوش قد اختار مغادرة رئاسة الحزب، فإن السؤال الحقيقي الذي يظل مطروحًا ليس فقط: من سيخلفه؟ بل: هل ينجح الحزب في تجاوز مرحلة الزعامة المؤطرة بشخص واحد، أم أن ما بعد أخنوش سيكون اختبارًا صعبًا لقدرة التجمع الوطني للأحرار على الاستمرار بنفس القوة في مشهد سياسي يتغير بهدوء… ولكن بعمق.

تعليقات