ما بعد أخنوش.. سيناريوهات الانتقال الداخلي وإعادة تشكيل خريطة القوى داخل الائتلاف الحكومي

يخطو المشهد السياسي نحو مرحلة انتقالية محفوفة بالأسئلة، في وقت يبدو فيه حزب التجمع الوطني للأحرار، العمود الفقري للائتلاف الحكومي الحالي، على أعتاب نهاية حقبة قيادية. فالملامح المتغيرة لرئيسه، عزيز أخنوش، التي اتسمت بالانكفاء والبرود في ظهور علني أخير، لم تعد مجرد إشارة عابرة، بل تحولت إلى ناقوس يُقرع داخل أروقة الحزب، منبهاً إلى احتمال تغيير قيادي وشيك.
الأحد، اجتمع المكتب السياسي للحزب في جلسة طارئة، غير أن الأجواء التي سبقت الاجتماع وخلاصاته بدت أكثر دلالة من القرارات الشكلية الصادرة عنه. تلميحات أخنوش غير المباشرة بعدم رغبته في الترشح لولاية جديدة، سواء على رأس الحزب أو الحكومة، وضعت «بيت الحمامة» أمام معادلة وجودية معقدة. لم يعد السؤال محصوراً في هوية الخليفة، بل اتسع ليشمل قدرة الحزب على الحفاظ على تماسكه الداخلي، ثم على موقعه المهيمن داخل الأغلبية الحكومية، في ظل غياب القائد الذي قاده لسنوات.
في هذا السياق، تبرز سيناريوهان رئيسيان للانتقال الداخلي. السيناريو الأول، وهو الأكثر تداولاً، يرتبط بإمكانية عودة مولاي حفيظ العلمي إلى واجهة المشهد. مشهد تسليمه السلطة في مرحلة سابقة، والذي لم يخلُ من تأثر واضح، يعود اليوم كخلفية قوية لهذا الاحتمال. ويرى محللون أن العلمي، بصفته «تكنوقراطياً» مخضرماً وذا حنكة سياسية، قد يكون «رجل المرحلة» القادر على لمّ الشمل وتقديم صورة تجديدية، خصوصاً في مواجهة تحديات حكومية معقدة. هذا المسار يعكس رهان الحزب على ذاكرته المؤسساتية وخبراته الداخلية لعبور مرحلة دقيقة.
أما السيناريو الثاني، فيتجه نحو صعود وجوه جديدة من الجيل الثاني داخل الحزب. وقد يتجسد ذلك في شخصيات بارزة من المكتب السياسي أو من رؤساء الجهات، الذين كثفوا لقاءاتهم الماراثونية في الآونة الأخيرة بشكل استباقي. هذا الخيار يحمل رسالة تجديد أعمق، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على مجازفة قد تكشف عن خلافات كامنة، وتفتح باب التنافس الداخلي على مصراعيه، بما قد يضعف الموقف التفاوضي للحزب على المدى القريب.
بالتوازي مع هذه التحولات الداخلية، تبدأ خريطة القوى داخل الائتلاف الحكومي الأوسع في التحرك. فتراجع نجم أخنوش، أو احتمال مغادرته، لا يخلو من تداعيات على شركائه في الأغلبية. حزب «الأصالة والمعاصرة» يراقب المشهد عن كثب، مترقباً أي فراغ قد يتيح له التقدم لقيادة الحكومة في دورة تناوب مقبلة. غير أن نجاح هذا الاحتمال يظل رهيناً بقدرة الحزب على تقديم مرشح توافقي مقنع، وبمدى تمكن «الأحرار» من تجاوز محنته دون انشقاقات تفقده تماسكه البرلماني.
في المقابل، يبرز حزب الاستقلال كقطب ثالث وازن يمكن أن يستعيد بريقه السياسي. فإذا اتجهت أولويات المرحلة المقبلة نحو تعزيز التوافقات الوطنية وحسم ملفات كبرى، من قبيل الجهوية المتقدمة، فإن الرصيد التاريخي والدبلوماسي للحزب، إلى جانب طابعه التوافقي، قد يجعله خياراً مناسباً لتشكيل نواة حكومية جديدة، خاصة في حال تعثر الحزبين الأكبر في إنتاج قيادة مستقرة.
وبعيداً عن سيناريو التصدر الأحادي، قد تفرض المرحلة صيغة جديدة لتحالفات أكثر تعقيداً. قد يتحول «الأحرار» من قائد للائتلاف إلى شريك أصغر تقوده قوة أخرى، أو قد تتشكل أغلبية ثلاثية يعاد فيها توزيع الحقائب الوزارية والمواقع الاستراتيجية بشكل مختلف جذرياً، بما يعيد رسم توازنات القوى داخل البرلمان ومؤسسات الدولة.
مرحلة «ما بعد أخنوش» تتجاوز حدود التغيير على رأس حزب بعينه، لتلامس جوهر نضج المنظومة الحزبية والمشهد السياسي برمته. كيفية إدارة «الأحرار» لانتقاله الداخلي ستؤثر بشكل مباشر في ملامح الخريطة السياسية خلال السنوات المقبلة، سواء عبر عودة رموز سابقة، أو بروز قيادات جديدة، أو انتقال مركز الثقل إلى حزب آخر. الموجة التي انطلقت من داخل «بيت الحمامة» مرشحة لأن تمتد إلى كامل الائتلاف الحكومي، في سياق إعادة تشكيل تبدو فصوله المقبلة الأكثر حسماً.

تعليقات