آخر الأخبار

فساد الملفات.. كيف تحوّلت الرقمنة من “حلّ” إلى “واجهة” في معركة المغرب الاقتصادية؟

تطفو على سطح النقاش الاقتصادي في المغرب معادلة تبدو بسيطة: الرقمنة تُكافح الفساد. لكن تحت هذه السطحية يختبئ سؤال أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما تتحول الأداة التقنية نفسها إلى واجهة برّاقة تُخفي استمرار الممارسات القديمة، بل وقد تمنحها شرعية جديدة تحت غطاء «التحديث»؟

كشف حديث بيار سعادة، رئيس منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شبكة «العدالة في إدارة الموارد»، اليوم الاثنين، عن طبقة أعمق من هذا الإشكال. فتراجع ترتيب المغرب في مؤشر مدركات الفساد ليس مجرد رقم إحصائي عابر، بل إشارة إلى أن التقدم التقني للدولة، رغم وضوحه، لم يُحدث القطيعة المنشودة مع ثقافة الاختلال. النموذج المقلق الذي يبرز هنا هو نموذج «الدولة الحديثة تقنياً، التقليدية في الممارسة».

الرقمنة بين الواقع والوهم.. هل تحمي الاستثمار أم تُنفّره؟

الخطورة الكبرى، كما يوضح سعادة، لا تكمن في غياب المنصات الإلكترونية، بل في انزياح الثقة. فالمستثمر، المحلي أو الأجنبي، لم يعد يبحث عن موقع ويب لتقديم الطلب، بل عن ضمانات حقيقية تُؤكد أن المنافسة عادلة وأن القرارات موضوعية. الرقمنة، التي يُفترض أن تبني الثقة، تتحول في غياب الشروط المؤسساتية إلى نقيضها؛ إذ تكشف فجوة صارخة بين سرعة الإجراء الإلكتروني وتباطؤ العدالة، وبين وضوح المسطرة الرقمية وغموض «التفاهمات» التي تُبرم في الخفاء. والنتيجة عزوف استثماري يختار أسواقاً أقل «تطوراً» رقمياً، لكنها أكثر قابلية للتنبؤ بمخرجاتها.

احتكار «رقمي».. كيف تتحوّل التكنولوجيا إلى حليف للمفسدين؟

تبرز هنا مفارقة لافتة: الرقمنة، التي من مهامها تفكيك الاحتكارات، قد تُسهم في بعض السياقات في ترسيخها. شركات بعينها، ذات روابط نافذة، تُعد الأقدر على توظيف الخبراء لاختراق المنظومات الرقمية المعقدة، أو التأثير في مواصفات العطاءات التقنية لتصبح حكراً عليها. وهكذا يتحول «مشروع رقمنة الصفقات العمومية» من أداة للشفافية إلى أداة لإضفاء الطابع التقني على الاحتكار؛ حيث تُقصى الشركات الصغيرة والمتوسطة، ليس لضعف عروضها، بل لعجزها عن مجاراة «المتطلبات التقنية» المصممة خصيصاً، أو لجهلها بمسالك «التيسير» غير الرسمية التي بقيت حية.

المواطن في شبكة الخدمات الإلكترونية.. تمكين أم خداع؟

على مستوى المواطن البسيط، يظهر تناقض صارخ. فبينما تُختزل معاملته في نقرات على هاتفه، تظل سلطة الموظف التقديرية، القادرة على تعطيل أو تسريع الملف، سيدة الموقف. الرقمنة هنا لا تُلغي الوسيط، بل تُغيّر شكله؛ من موظف خلف شباك إلى مبرمج أو مسؤول نظام يملك القدرة على «تعليق» الطلب أو «تفعيل» خلل تقني انتقائي. الشعور بالتمكين الذي تمنحه الخدمة الإلكترونية قد يكون وهماً إذا ظل القرار النهائي خاضعاً للآليات نفسها للمحسوبية، ولكن هذه المرة تحت ذريعة «مشكلة في السيرفر».

القضاء البطيء في مواجهة سرعة التقنية.. فخ الفساد المستتر

يشدد سعادة على أن أي نظام رقمي «يفقد فعاليته إذا لم يُدعّم بقضاء مستقل». هذه نقطة محورية تفتح على إشكال مؤسسي عميق: كيف لشكاوى تُقدَّم في دقائق عبر منصة إلكترونية أن تظل عالقة في أروقة المحاكم لسنوات؟ الفجوة الزمنية بين سرعة التقنية وبطء القضاء ليست بريئة؛ فهي تُنتج «مناعة» للمفسدين، الذين يدركون أن الدرع الرقابي الوحيد الفعّال هو القضاء، وأن أي تأخير فيه يمثل ضمانتهم. الرقمنة دون قضاء سريع وفعّال تُشبه تركيب كاميرات مراقبة فائقة الدقة دون وجود جهاز يتدخل.

الشفافية الانتقائية.. البيانات المفتوحة بين الوعد والحقيقة

أحد الوعود الجوهرية للرقمنة هو «البيانات المفتوحة». غير أن الواقع يُظهر أن هذا «الفتح» قد يكون انتقائياً. تُنشر كميات هائلة من البيانات الكمية، مثل عدد الطلبات ومتوسط مدة الإجراء، بينما تتعذر البيانات النوعية الحاسمة: الأسماء الكاملة للمتعاقدين، التقارير الكاملة للجان فتح الأظرفة، والمبررات التفصيلية لاختيار عرض على آخر. هذه الشفافية الجزئية تُنتج وهماً بالمساءلة، فيما تبقى النواة الصلبة للقرار محمية بسرية إدارية أو تعقيد تقني.

جيل الوسطاء الجدد.. مبرمجون ومستشارون يسيطرون على الملفات

لم يعد «الوسيط» التقليدي الشكل الوحيد للتدخل؛ فقد برزت طبقة جديدة من الوسطاء تتاجر بمعرفتها بالنظام الرقمي. «مستشارون» يُساعدون في تعديل العروض لتتوافق مع خوارزميات غير مُعلنة، أو «مقاولون» يتعهدون بـ«تسهيل» مرور الملفات في مراحل محددة مقابل أجر. هكذا لا يختفي الفساد، بل يتحول ويتخصص، ويجد طالب الخدمة نفسه أمام خيارين: مواجهة تعقيد نظام لا يفهمه، أو الدفع لمن يفهم ثغراته.

المجتمع المدني محاصر.. الرقابة بين محدودية الإمكانيات وتعقيد التقنية

تُقدَّم الرقمنة كأداة لتمكين المجتمع المدني والصحافة من الرقابة، غير أن هذا الطرح يتجاهل عوائق عملية واضحة؛ من بينها صعوبة الوصول إلى البيانات الخام، وغياب الأدوات التحليلية لفهمها، وانعدام الحماية القانونية للمدققين الذين قد يكشفون عن اختلالات. في حالات كثيرة، تُستعمل تعقيدات النظام الرقمي نفسها ذريعة لرفض طلبات الحصول على المعلومة بدعوى «خصوصية النظام» أو «الأمن السيبراني».

المسؤولية المشتتة.. من يُحاسَب في عالم رقمي معقد؟

في الأنظمة اليدوية كان تتبع مسار الملف وتحديد المسؤول عن التأخير أو القرار المشبوه أكثر وضوحاً. أما في النظام الرقمي المعقد، فتتشتت المسؤولية بين مُدخل البيانات، ومُصمم النظام، ومدير المنصة، واللجنة التقنية. هذا التشتت يُصعّب المحاسبة، ويمنح المسؤولين هامشاً للاختباء خلف «خلل تقني» أو «خصوصية في آلية عمل البرنامج»، ما يُضعف مبدأ المساءلة الفردية، وهو حجر الزاوية في مكافحة الفساد.

يُظهر هذا التحليل أن معضلة المغرب لا تكمن في غياب الرقمنة، بل في فخ الاعتقاد بأنها حلّ سحري قائم بذاته. فالرقمنة الحقيقية ليست تلك التي تُقاس بعدد الخدمات الإلكترونية، بل بمدى قدرتها على تقليص الفرص غير المشروعة، وبناء الثقة، وإخضاع السلطة التقديرية للمساءلة. الرهان المطروح هو الانتقال من رقمنة «الواجهة» إلى رقمنة «الجوهر»، حيث تتحول السرعة التقنية إلى عدالة ناجزة وسيادة قانون فعلية.

المقال التالي