المغرب يُضيء البطولات والعالم الآخر يشتعل: قراءة في حملة التشويش الجزائرية على كأس إفريقيا

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
لم يكن الهجوم الإعلامي والسياسي للجزائر، الذي تقوده بنية حكم عسكرية ذات نفوذ واسع في القرارين السياسي والإعلامي، والذي رافق تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم، حدثًا عابرًا، ولا ردّ فعل ظرفيًا على نتيجة رياضية أو إقصاء تقني داخل المستطيل الأخضر. بل هو، في جوهره، امتداد لمنهج متجذّر في عقلية نظامٍ لم يتصالح يومًا مع فكرة نجاح الجار، ولا مع منطق المنافسة الشريفة، ولا مع الاعتراف بالإنجاز خارج حسابات العسكر والمخابرات.
منذ إعلان المغرب ترشحه لاحتضان كأس إفريقيا، بدا واضحًا أن الجزائر الرسمية دخلت حالة استنفار غير معلنة. لم تنتظر قرار الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، ولم تتعامل مع الملف كسباق تنظيمي طبيعي، بل جرى تفعيل ماكينة التشويش مبكرًا: تقارير تشكّك، منصات تروّج للفشل قبل وقوعه، وأصوات “تحليلية” تؤدي أدوارًا سياسية أكثر منها إعلامية.
وحين حُسم القرار لصالح المغرب، لم تنتقل الحملة إلى خانة القبول بالأمر الواقع، بل صعّدت نبرتها. لم يعد التشكيك موجّهًا للملفات أو البنيات، بل تحوّل إلى مسّ صورة بلدٍ كامل، والتقليل من قدرته التنظيمية، رغم أن كل المؤشرات – من جاهزية الملاعب إلى البنية التحتية، ومن الأمن إلى الخدمات – كانت تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
الأكثر دلالة في هذه الحملة، أنها لم تكتفِ بالنقد، بل لجأت إلى اختلاق سرديات عبثية: مرة عبر تضخيم الأحوال الجوية وتحويل الأمطار إلى “فشل تنظيمي”، ومرة عبر استغلال كوارث طبيعية في مدن مغربية لأغراض دعائية، في سلوك يتجاوز الرياضة إلى مستوى الانحدار الأخلاقي.
أما ملف التذاكر، فقد شكّل نموذجًا صارخًا لكيفية صناعة الأزمة ثم توظيفها. إذ جرى الترويج لاتهامات موجّهة للمغرب، رغم أن عملية البيع والتدبير كانت خاضعة بشكل كامل لإشراف “الكاف”، وليس للسلطات المغربية. ومع ذلك، استُخدمت هذه النقطة لإشعال خطاب تعبوي، تلاه تحريض غير مباشر على الفوضى، قبل أن تنقلب الرواية على صانعيها.
وفي موازاة ذلك، برز سلوك غير مسبوق في التعامل مع التنظيم، تمثل في حالة الارتياب المرضي: التشكيك في الفنادق العالمية، رفض الخدمات المعتمدة من الاتحاد الإفريقي، عزل المنتخب عن محيطه، وحتى استيراد تفاصيل دينية ولوجستية بشكل استثنائي، في رسالة سياسية أكثر منها احترازًا رياضيًا.
غير أن المفارقة الكبرى، أن كل هذا التشويش اصطدم بواقع ميداني مغاير تمامًا. فقد عاينت الجماهير الإفريقية، والصحافة الدولية، والوفود الرسمية، مستوى تنظيميًا عاليًا، واحترافية أمنية، وانسيابية في التنقل، وجودة في الملاعب، وشهادة واضحة من “الكاف” نفسها، التي اعتبرت هذه النسخة من بين الأفضل في تاريخ البطولة.
ولعل ما أربك الخطاب الجزائري الرسمي أكثر، هو أن عددا من اللاعبين الجزائريين أنفسهم، إلى جانب مسؤولين رياضيين أفارقة، عبّروا صراحة عن إعجابهم بالتنظيم، ما أفقد آلة التشويش تماسكها، ودفعها إلى تصعيد الخطاب بدل مراجعته.
هنا تتبدّى الإشكالية الحقيقية: نظام لم يستثمر في التنظيم، ولم يراكم تجربة، ولم ينجح في تقديم نموذج جذّاب، اختار أن يعوّض ذلك بمحاولة إفساد نجاح الآخرين. وهو منطق مألوف في أنظمة تُدار بعقلية أمنية، حيث تُستعمل الرياضة، كما الإعلام، كأدوات صراع لا كجسور تواصل.
في المقابل، قدّم المغرب نموذجًا مختلفًا: دولة تراكم بهدوء، تستثمر في البنية التحتية، تشتغل بمنطق الشراكات، وتفصل – قدر الإمكان – بين الرياضة والحسابات السياسية. لذلك لم يكن فوزه تنظيمًا فقط، بل انتصارًا للصورة، وللثقة، وللعمل الصامت.
ورغم أن منافسات كأس إفريقيا لم تبلغ محطتها الختامية بعد، وما تزال مباريات نصف النهائي والنهائي في الأفق، فإن ما قُدِّم إلى حدود هذه المرحلة كافٍ ليؤكد أن المغرب وضع سقفًا تنظيميًا غير مسبوق، ونجح في كسب رهان الثقة. فحتى قبل إسدال الستار على الأدوار النهائية، بات واضحًا أن معركة التنظيم قد حُسمت ميدانيًا، وأن المغرب انتصر فيها بالعمل لا بالضجيج، وبالإنجاز لا بالتحريض، بغضّ النظر عمّن سيرفع الكأس في النهاية.
ويجب الإشارة هنا إلى أن هذه الإنجازات التنظيمية والرياضية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة مباشرة لسياسة رشيدة وتوجيهات ملكية حكيمة، وانخراط جلالة الملك محمد السادس في كل تفاصيل التحضير للبطولة، مع نظرة مستقبلية واضحة تُعلي من قيمة الرياضة كرافعة للتنمية والسمعة الدولية للمغرب. هذه الرؤية الملكية السديدة مكنت المملكة من تجاوز العقبات، وضبط كل التفاصيل، وضمان تجربة استثنائية للفرق والجماهير، ليصبح المغرب نموذجًا يحتذى به في تنظيم البطولات القارية والدولية.
الخلاصة أن ما جرى خلال كأس إفريقيا لم يكن مجرد بطولة ناجحة، بل مرآة كاشفة لفارق عميق بين نموذجين:
نموذج يؤمن بالبناء، والتخطيط، والانفتاح،
ونموذج العالم الآخر لا يزال أسير منطق المؤامرة، وردود الفعل، وتصدير الأزمات.
وبين هذا وذاك، قالت إفريقيا كلمتها بوضوح، عبر مؤسساتها وخبرائها، فكان التصفيق من نصيب من اشتغل بجدّ، لا من راهن على التشويش والضجيج.

تعليقات