إيران على حافة الانفجار: الشارع يشتعل، قتلى في صفوف الأمن وبلاد بلا إنترنت

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
تعيش إيران واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا في السنوات الأخيرة، حيث تتقاطع الاحتجاجات الداخلية مع تصعيد سياسي وأمني متزايد، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد، ويكشف في الوقت ذاته عن حجم التوتر القائم بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين.
فالاحتجاجات التي اندلعت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية، سرعان ما تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد، مع توسع رقعتها جغرافيًا وتزايد حدّتها، ما دفع السلطات إلى اعتماد مقاربة أمنية مشددة شملت انتشارًا واسعًا لقوات الأمن وفرض قيود صارمة على وسائل الاتصال، أبرزها قطع الإنترنت لفترات طويلة.
ويعكس هذا الإجراء حساسية المرحلة بالنسبة للسلطات الإيرانية، التي ترى في تدفق المعلومات غير المنضبط عاملًا قد يساهم في تأجيج الاحتجاجات وتوسيعها، خصوصًا في ظل نشاط مكثف لمنصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت أداة مركزية في تنظيم التحركات ونقل صور المواجهات إلى الخارج.
في المقابل، تؤكد الرواية الرسمية أن ما يجري لا يقتصر على مطالب اجتماعية، بل يتداخل مع ما تصفه بـ”محاولات خارجية” لاستغلال حالة السخط الشعبي ودفع البلاد نحو الفوضى. وهو خطاب يتكرر كلما تصاعد التوتر، ويعكس إدراكًا رسميًا بأن الاحتجاجات باتت تحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز بعدها الاقتصادي الأولي.
اللافت في المشهد الحالي هو تزامن الاحتجاجات مع تصعيد في لهجة الخطاب السياسي الإيراني تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث صدرت تحذيرات مباشرة من أعلى المستويات، تُدرج لأول مرة أطرافًا محددة ضمن ما تعتبره طهران “أهدافًا مشروعة” في حال تطور الصراع. هذا التصعيد يعكس محاولة واضحة لربط الداخل بالخارج، وتوجيه رسالة مزدوجة: للشارع الإيراني من جهة، وللخصوم الدوليين من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي تعلن فيه السلطات عن تراجع وتيرة الاضطرابات، تشير تقارير حقوقية ومنصات مراقبة مستقلة إلى استمرار التوتر وسقوط ضحايا واعتقالات واسعة، ما يعمق الفجوة بين الروايات المتداولة، ويزيد من تعقيد المشهد أمام الرأي العام المحلي والدولي.
اقتصاديًا، لا يبدو أن الحكومة تمتلك هامشًا واسعًا للمناورة، في ظل العقوبات المستمرة وضغوط الميزانية، وهو ما يحدّ من قدرتها على تقديم حلول سريعة للأزمة المعيشية. لذلك، تعتمد طهران على مسارين متوازيين: احتواء أمني للشارع، ومحاولات محدودة للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، دون ضمانات حقيقية لنجاح أحدهما على المدى القريب.
في المحصلة، تبدو إيران اليوم أمام اختبار داخلي صعب، حيث لم تعد الاحتجاجات مجرد رد فعل ظرفي، بل تعبيرًا عن تراكمات اجتماعية واقتصادية عميقة، تتفاعل مع بيئة إقليمية ودولية متوترة. وبين الرهان على السيطرة الأمنية ومحاولات امتصاص الغضب الشعبي، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة النظام على تجاوز هذه المرحلة دون كلفة سياسية واجتماعية أكبر.

تعليقات