آخر الأخبار

إيران بين غضب الشارع وخطاب التخوين: حين تتحول الأزمة الاقتصادية إلى معركة سيادة

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

لم تعد الاحتجاجات المتواصلة في المدن الإيرانية مجرّد انفجار اجتماعي عابر، بل باتت تعكس أزمة مركّبة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع الانسداد السياسي، وتكشف هشاشة العلاقة بين السلطة والشارع في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فمع اتساع رقعة التظاهر وامتدادها إلى مدن كبرى، وجدت القيادة الإيرانية نفسها أمام مشهد يصعب احتواؤه بالخطاب التقليدي وحده.

اللافت في الموقف الرسمي، هو الإصرار على تأطير الحراك الشعبي ضمن سردية “المؤامرة الخارجية”، حيث جرى توصيف المحتجين كمحرّضين أو أدوات بيد قوى أجنبية، في محاولة لنزع الشرعية عن مطالب اجتماعية واقتصادية تتراكم منذ سنوات. هذا الخطاب، وإن كان مألوفًا في التجربة الإيرانية، إلا أنه يعكس قلقًا متزايدًا من تحول الاحتجاج من مطلب معيشي إلى تحدٍ سياسي مباشر.

اقتصاديًا، تعيش إيران وضعًا خانقًا نتيجة تراجع العملة، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، في ظل عقوبات دولية مشددة وسوء إدارة داخلية. هذه العوامل مجتمعة دفعت فئات واسعة من المجتمع، بما فيها الطبقة الوسطى والشرائح الشعبية، إلى الشارع، بعدما استُنزفت آليات الصبر التقليدية التي طالما راهن عليها النظام.

سياسيًا، يبدو أن السلطة تحاول كسب الوقت عبر خطاب التعبئة والوحدة الوطنية، وربط الداخل بالخارج، معتبرة أن أي تصعيد داخلي يصب في مصلحة خصومها الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الاحتقان الاجتماعي نابع أساسًا من الداخل، وأن ربطه الدائم بالعامل الخارجي لم يعد مقنعًا لشرائح متزايدة من الإيرانيين.

في المقابل، دخل العامل الأميركي على الخط، سواء عبر تصريحات تحذيرية أو عبر التفاعل الإعلامي مع ما يجري داخل إيران، وهو ما يمنح السلطة ذريعة إضافية لتشديد القبضة الأمنية وفرض قيود رقمية صارمة، أبرزها قطع الإنترنت وعرقلة الاتصالات. لكن هذه الإجراءات، بدل أن تخفف الاحتقان، تعمّق شعور العزلة وتزيد من فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.

المفارقة أن الخطاب الرسمي يتشدد في توصيف المحتجين، في حين تصدر في الوقت نفسه دعوات إلى “ضبط النفس” و”الاستماع لمطالب الشعب”، ما يعكس ازدواجية في المقاربة بين منطق أمني ومنطق سياسي لم تُحسم العلاقة بينهما بعد. هذا التردد يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تملك الدولة الإيرانية رؤية إصلاحية حقيقية لمعالجة جذور الأزمة، أم أنها ما تزال تراهن على إدارة الغضب بدل تفكيكه؟

التجربة الإيرانية خلال العقد الأخير تُظهر أن موجات الاحتجاج، مهما تم احتواؤها أمنيًا، تعود بأشكال أكثر تعقيدًا، ما دام الأساس الاقتصادي والاجتماعي للأزمة قائمًا. فالقوة وحدها قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تلغيه، خاصة في مجتمع شاب، متصل بالعالم، وواعٍ بتناقضات واقعه.

في المحصلة، ما تشهده إيران اليوم ليس صراعًا بين “النظام” و”المرتزقة” كما يُقدَّم رسميًا، ولا هو مجرد احتجاج اقتصادي محدود، بل هو لحظة اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع، والانتقال من منطق التخوين إلى منطق المعالجة السياسية العميقة. فإما أن يُفتح أفق إصلاحي يخفف الاحتقان، أو أن تستمر الدائرة المغلقة، بما تحمله من مخاطر على الاستقرار الداخلي في المدى المتوسط والبعيد.

المقال التالي