آخر الأخبار

ذكرى 11 يناير.. تاريخ نضالي يؤسس لثوابت المغرب في الاستقلال والوحدة الترابية

يستعد الشعب المغربي، غداً الأحد، لإحياء الذكرى الثانية والثمانين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، وهي محطة تاريخية ذات رمزية عميقة في مسار الكفاح الوطني. ولا يقتصر إحياء هذه الذكرى على استحضار لحظة مفصلية من الماضي، بل يجسد استمرارية نضال وطني متكامل انتقل من مواجهة الاستعمار إلى ترسيخ الحقوق السيادية داخل المنتظم الدولي.

وقد شكل تقديم الوثيقة، يومه الثلاثاء الحادي عشر من يناير 1944، حدثاً تاريخياً بارزاً ومنعطفاً حاسماً في مسار الحركة الوطنية، إذ انتقل النضال من سقف المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة الواضحة والصريحة بالاستقلال الكامل، تحت قيادة بطل التحرير، جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه.

وتؤكد المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغ رسمي لها اليوم، أن هذه الذكرى تظل «من أغلى وأعز الذكريات المجيدة»، مبرزة أن تخليدها يجسد قيم الوفاء لرجالات الحركة الوطنية الذين صاغوا الوثيقة، وللتضحيات الجسام التي قدمها الشعب المغربي في مواجهة نظام الحماية، الذي قسّم التراب الوطني إلى مناطق نفوذ فرنسية وإسبانية ودولية.

ولم تكن وثيقة المطالبة بالاستقلال حدثاً معزولاً، بل جاءت ثمرة لمسار طويل من المقاومة الشعبية والسياسية. فقد سبقتها انتفاضات بالأطلس المتوسط والشمال والجنوب، إلى جانب محطات نضال سياسي بارزة، من بينها التصدي لـ «الظهير البربري» سنة 1930، وتقديم مطالب إصلاحية خلال منتصف الثلاثينيات. وكان العرش، ممثلاً في جلالة الملك محمد الخامس، يشكل المحور الجامع والموجه لهذا المسار النضالي منذ اعتلائه العرش.

وأبرزت الوثيقة مستوى متقدماً من النضج السياسي، إذ تضمنت مطالب واضحة ومتكاملة، توزعت بين شق سياسي خارجي دعا إلى استقلال المغرب تحت قيادة الملك الشرعي، والتوجه إلى دول الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الثانية من أجل ضمان هذا الاستقلال، وشق إصلاحي داخلي طالب بإقامة نظام سياسي «شوري» يصون حقوق جميع مكونات الشعب، في ظل الرعاية الملكية السامية.

وانطلاقاً من هذه المبادئ، واصل المغرب نضاله إلى أن تحقق الاستقلال، لترسخ هذه المرحلة قناعة راسخة مفادها أن قضايا السيادة والوحدة الترابية تشكل ثوابت غير قابلة للتنازل. ويواصل المغرب اليوم، بقيادة وريث هذا الإرث النضالي، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الدفاع عن هذه الثوابت عبر طرح «المقاربة المغربية» كحل جدي وواقعي لقضية الصحراء، من خلال مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية.

وفي هذا السياق، تشيد المندوبية السامية، في بيانها، بـ «القرار الأممي رقم 2797»، واصفة إياه بـ «التتويج للمسار الدبلوماسي المتواصل والرفيع المستوى» الذي يقوده جلالة الملك. ويُنظر إلى هذا القرار، الذي حظي بدعم دولي واسع، باعتباره امتداداً طبيعياً للمشروعية التاريخية التي أرستها وثيقة 1944، وأكدت حق المغرب في تقرير مصيره واستكمال وحدته الترابية.

وتتجلى هذه الاستمرارية التاريخية من خلال تجسيد فكرة «العرش والشعب» التي شكلت الأساس الصلب لمعركة التحرير. فكما التف المغاربة حول جلالة الملك محمد الخامس في مواجهة الاستعمار والمطالبة بالاستقلال، يلتفون اليوم، بكل أطيافهم ومكوناتهم، خلف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من أجل تفعيل نموذج الحكم الذاتي وتحويل الأقاليم الجنوبية إلى رافعة للتنمية والاستقرار.

ولتثبيت هذه القيم ونقل دلالاتها إلى الأجيال الصاعدة، تنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير تظاهرات وطنية متعددة، من بينها مهرجان خطابي وندوة فكرية يُنظمان يوم الاثنين المقبل بالعاصمة الرباط، يتخللهما تكريم عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، اعترافاً بتضحياتهم الجليلة.

كما ستشهد مختلف جهات المملكة، عبر 109 فضاءات للذاكرة التاريخية، تنظيم أنشطة ثقافية وتواصلية وتربوية، تروم ترسيخ قيم المواطنة وروح التضحية، وربط الحاضر الوطني بالماضي النضالي، بما يؤكد أن الدفاع عن الوحدة الترابية وبناء الدولة الوطنية مسار متواصل يستمد قوته من جذوره التاريخية الراسخة.

المقال التالي