قرض بـ150 مليون يورو يختبر مسار اللامركزية في المغرب

تطرح الحزمة التمويلية الجديدة، التي أعلن البنك الإفريقي للتنمية عن تفاصيلها لفائدة صندوق التجهيز الجماعي المغربي، سؤالاً يتجاوز قيمتها المالية المباشرة. فبينما يُسجَّل القرض البالغ 150 مليون يورو دعماً مالياً وازناً، فإن أثره الحقيقي قد يتمثل في كونه محكاً عملياً لاختبار نجاعة سياسة اللامركزية التي انخرط فيها المغرب منذ سنوات.
وجاء الإعلان الرسمي عن تفاصيل هذه الاتفاقية، التي صودق عليها سابقاً، اليوم الجمعة. ويهدف التمويل، بحسب وثائق البنك، إلى تلبية الطلب المتزايد للجماعات الترابية على مشاريع البنية التحتية في مجالات حيوية، من قبيل التطهير السائل، والنقل الحضري، والإنارة العمومية. غير أن القراءة التحليلية لأولوياته تكشف عن أبعاد أعمق تتجاوز منطق التمويل القطاعي.
ولا تقتصر أهداف هذا التمويل على تشييد المرافق، بل تمتد إلى محاولة تقليص الفجوة التنموية بين الجهات. إذ يركّز بشكل واضح على المناطق القروية وشبه الحضرية التي تعاني خصاصاً بنيوياً، بما يلامس جوهر فلسفة اللامركزية القائمة على تحقيق التوازن المجالي. وهو ما يضع الجماعات المحلية أمام مسؤولية مضاعفة لترجمة هذه الموارد إلى مشاريع ذات أثر مباشر وملموس على حياة المواطنين.
وتأتي هذه الخطوة في سياق توسيع الصندوق لشراكاته الدولية، بدعم من وكالات تمويل فرنسية ويابانية، ما يعكس تنامي الثقة في أدائه المؤسسي. غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحاً: هل تمتلك الجماعات الترابية، التي يبلغ عددها 1590 جماعة، القدرات الإدارية والتقنية الكفيلة باستيعاب هذا التدفق التمويلي وضمان إنجاز مشاريع معقدة تستجيب لمعايير بيئية واجتماعية صارمة؟
ويشترط البنك دمج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسساتية، التي جرى تحديثها سنة 2024، الأمر الذي يرفع سقف التحدي. فالنجاح في هذا الاختبار لا يعني فقط إنجاز بنى تحتية جديدة، بل يكرّس تحوّلاً فعلياً في نمط حوكمة التنمية المحلية، بما يمكّن الجماعات من التخطيط الاستراتيجي، وجذب التمويلات، وإدارة مشاريع مستدامة بكفاءة.
وبناءً عليه، لا تُختزل هذه الـ150 مليون يورو في كونها قرضاً مالياً، بل تمثل استثماراً في تقوية اليد التنفيذية للجهات. وستكون نتائجها مقياساً دقيقاً لمدى تقدم ورش الجهوية المتقدمة، ولتحديد ما إذا كانت اللامركزية تسير نحو نقل حقيقي للصلاحيات والموارد، أم ستظل أسيرة المقاربة النظرية. ما سيتحقق على أرض الواقع من مشاريع سيحسم، عملياً، سؤال التحوّل.

تعليقات