آخر الأخبار

مربّو الدواجن بين مطرقة الخسارة وسندان الاحتكار

تطفو على السطح أسئلة حرجة تطارد قطاعاً يُعتبر حصناً للأمن الغذائي في المغرب، فيما تبدو إجاباتها غائبة أو مُتعمَّدٌ إخفاؤها. وسط هذا الضباب، تُسلِّط أزمة مربي دجاج اللحم الضوء على تناقض صارخ: كيف يتحول الدعم العمومي المُعلن إلى أداة تكرِّس الأزمة بدلاً من حلها، ومن يقطف ثمار هذا الواقع المأزوم؟

في التفاصيل التي أعلنت عنها الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم ، يتبدى أن الهيمنة لم تعد مجرد شكوى عابرة، بل تحولت إلى هيكل احتكاري متكامل. شركات كبرى تتحكم في مدخلات الإنتاج الحيوية، من الكتاكيت إلى الأعلاف، محوِّلة آلاف المربين الصغار والمتوسطين إلى مجرد أيدٍ عاملة تتحمل المخاطر كاملة. يطرح هذا المشهد سؤالاً جوهرياً: هل فشلت السياسات العمومية في تنظيم السوق، أم أنها صُمِّمت بطريقة غير مباشرة لخدمة هذا النموذج الاحتكاري؟

ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً تكمن في مسار أموال الدعم الحكومي. فأموال دافعي الضرائب، المخصصة رسمياً لتطوير سلاسل الإنتاج وتمكين الفاعلين، تبدو وقد تحولت إلى ريع يعزز من سطوة الكبار. غياب آلية رقابية شفافة وفعالة يترك الباب مفتوحاً أمام تحويل المال العام من أداة إنعاش إلى وسيلة إقصاء. هنا، يتجلى السؤال المحوري: من يخضع للمساءلة عن هذا التحويل في مسار الدعم، وهل ثمة إرادة حقيقية لتعقب هذه الأموال وضمان وصولها إلى مستحقيها؟

أما على الأرض، فإن المعادلة الاقتصادية تحولت إلى كابوس يومي للمربين. فبين تكلفة إنتاج تقترب من سبعة عشر درهماً للكيلوغرام، وسعر بيع لا يتجاوز عشرة دراهم، تُفتح فجوة خسارة تهدد بإفلاس عائلات بأكملها. هذا النزيف المالي المنظم ليس مجرد خلل سوقي عابر، بل هو مؤشر على اختلال عميق في موازين القوة داخل القطاع. فمن المستفيد من بقاء سعر البيع دون تكلفة الإنتاج لفترة ممتدة؟ ولماذا لا تتدخل الآليات التنظيمية لوقف هذا النزف؟

ردة الفعل البرلمانية، المتمثلة في سؤال النائبة سلوى البردعي، تشير إلى أن الأزمة وصلت إلى مرحلة لا يمكن تجاهلها. استفسارها يلامس نقاط التوتر الأساسية: حقيقة السيطرة الاحتكارية، ومصير الدعم العمومي، والإجراءات الاستعجالية المنتظرة. لكن هذا الاستفسار يطرح بدوره سؤالاً أعمق: هل سيتحول إلى مجرد مراسلة إدارية تتبعها وعود غامضة، أم أنه سيفتح الباب أمام تحرُّك حاسم يعيد هندسة القواعد؟

القطاع يقف عند مفترق طرق خطير. استمرار الوضع الحالي لا يعني فقط خسارة آلاف العائلات لمصدر رزقها، بل يهدد بانهيار حلقة إنتاجية كاملة لصالح احتكار شبه مطلق. الغياب اللافت لتدخل حاسم لتنظيم الأسعار أو إقرار دعم مباشر ينقذ المربين، يغذي الشكوك حول الأولويات الحقيقية لإدارة هذا الملف. الساحة تشهد صراعاً خفياً بين منطق السوق الحرة الذي يستغله الأقوياء، وضرورة الحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي الذي تمس الحاجة إليه.

الأيام المقبلة ستكون حاسمة للإجابة عن السؤال الذي يخيم على المشهد كله: من المستفيد فعلاً من بقاء قطاع الدواجن على حافة الانهيار؟ الإجابة ستكشف ليس فقط عن خريطة القوى الاقتصادية، بل أيضاً عن التوازن بين مصالح النفوذ ومسؤوليات الحوكمة في واحدة من أهم حلقات الأمن الغذائي للبلاد.

المقال التالي