آخر الأخبار

الخبز الأبيض…القاتل الصامت الذي يتسلّل إلى موائدنا باسم لقمة العيش

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

في تفاصيل حياتنا اليومية، تختبئ أخطر الأزمات أحيانًا خلف أكثر العادات بساطة. فالخبز الأبيض، الذي يتصدّر موائد ملايين الأسر ويُعامل بوصفه “قوتًا لا يُستغنى عنه”، أصبح اليوم موضوعًا يستحق وقفة جادة، لا من باب التحريم أو التخويف، بل من زاوية الوعي الصحي والمسؤولية المجتمعية.

لقد فرض الخبز الأبيض نفسه كمنتج أساسي بفعل التحولات الصناعية والاقتصادية، لا بفعل قيمته الغذائية. فعملية تكرير الدقيق، التي تُنزَع خلالها الألياف والفيتامينات والمعادن الطبيعية، حوّلته إلى مادة غنية بالسعرات وفقيرة في الفائدة، تُشبع المعدة سريعًا لكنها تُرهق الجسد على المدى المتوسط والبعيد.

تشير دراسات غذائية متعددة إلى أن الاستهلاك المفرط للكربوهيدرات المكررة يرتبط بارتفاع معدلات السمنة، واضطرابات السكر في الدم، وزيادة مخاطر أمراض القلب. الخطر هنا لا يكمن في قطعة خبز واحدة، بل في نمط غذائي كامل بُني على التكرار والإفراط، حتى صار استثناء الاعتدال هو القاعدة.

الأكثر إشكالًا أن الخبز الأبيض لا يُستهلك منفردًا، بل يُرافقه غالبًا نظام غذائي فقير في الخضروات والحبوب الكاملة، ما يضاعف أثره السلبي. ومع مرور الوقت، يصبح الجسد أسير دورة من الجوع السريع، وارتفاع السكر، ثم الهبوط الحاد في الطاقة، وهو ما يفسر الشعور الدائم بالتعب والخمول لدى فئات واسعة من الناس.

المفارقة المؤلمة أن المجتمعات التي كانت تعتمد تاريخيًا على الحبوب الكاملة، والخبز البلدي، والنظم الغذائية الطبيعية، شهدت تراجعًا صحيًا متسارعًا مع انتشار المنتجات المكررة. لم يكن ذلك مصادفة، بل نتيجة مباشرة لتحوّل الغذاء من مورد صحي إلى سلعة تجارية تحكمها السرعة والكلفة والربح.

في السياق العربي، يكتسب استهلاك الخبز الأبيض بعدًا اجتماعيًا أكثر تعقيدًا. فبالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، لا يُنظر إليه كخيار غذائي بقدر ما يُعد حلًا اقتصاديًا مفروضًا بفعل الفقر وارتفاع كلفة البدائل الصحية. الخبز الأبيض الأرخص والأكثر توفرًا يصبح الملاذ اليومي لمن لا يملكون هامش الاختيار، في ظل ضعف الوعي الغذائي وغياب سياسات دعم واضحة للحبوب الكاملة. ومع تراكم الأزمات المعيشية، يُستهلك هذا النوع من الخبز بكثافة دون إدراك حقيقي لآثاره الصحية طويلة الأمد، ما يحوّل الفقر الغذائي إلى عامل مضاعف للأمراض المزمنة، ويجعل الصحة العامة رهينة لمنطق الكلفة لا لمنطق الوقاية.

من هنا، لا يمكن فصل النقاش الصحي عن البعد الاقتصادي والسيادي. فالأمن الغذائي لا يعني فقط توفر الطعام، بل نوعيته أيضًا. دعم زراعة القمح المحلي، وتشجيع الصناعات الغذائية الصحية، وحماية الأراضي الزراعية من الإهمال أو المضاربة، ليست قضايا فلاحية فحسب، بل قرارات تمس صحة الأمة واستقرارها الاجتماعي.

كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تبدأ من وعي الفرد. فإعادة النظر في العادات الغذائية، والعودة التدريجية إلى الخبز الكامل، وتثقيف الأجيال حول الفرق بين الغذاء المشبع والغذاء النافع، خطوات بسيطة لكنها مؤثرة.

القضية إذن ليست حربًا على الخبز، بل على الجهل الغذائي. وليست دعوة للمنع القسري، بل لسياسة ذكية توازن بين الحرية الفردية والصحة العامة. فحين يتحول الطعام اليومي إلى خطر صامت، يصبح الصمت عنه تواطؤًا، والوعي به ضرورة لا ترفًا.

إن إعادة النظر في ما نضعه على موائدنا ليست مسألة ذوق غذائي، بل خطوة أساسية نحو حماية صحة الأفراد وبناء مجتمعات أكثر توازنًا وقدرة على الحياة.

وأمام هذا الواقع، لا يمكن إعفاء السياسات العمومية من مسؤوليتها رسالة إلى الحكومة المغربية.

إن الانتشار الواسع للخبز الأبيض في المجتمع المغربي ليس مجرد مسألة غذائية عابرة، بل يمثل تحديًا صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ينبغي أن يحظى بأعلى درجات الانتباه من طرف الحكومة. كيف للحكومة، التي يقودها عزيز أخنوش، أن تسمح باستمرار ترويج منتج غذائي يشكل خطرًا حقيقيًا على صحة المواطنين، بينما ترتفع معدلات الأمراض المزمنة المرتبطة بالغذاء مثل السمنة، الداء السكري، ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب؟

إن الخبز الأبيض، الذي يتربع على موائد الأسر المغربية يوميًا، ليس مجرد مادة غذائية شبه خالية من العناصر الأساسية لصحة الإنسان، بل هو عامل مسهم في تدهور الصحة العامة بشكل تدريجي، خصوصًا عند الفئات الفقيرة والمهمشة التي لا تملك بدائل أفضل. إن استمرار استهلاك هذا النوع من الدقيق المكرر بدون ضوابط صحية أو حملات توعية، يعني تحمل الدولة جزءًا من مسؤولية تفاقم الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي، والتي تترجم في النهاية إلى أعباء اجتماعية ومصاريف طبية متزايدة.

نحن لا نطالب بمحاربة الخبز بحد ذاته، بل ندعو إلى سياسات صحية تغذوية حكيمة:

تشجيع الفلاحة المحلية لإنتاج الحبوب الكاملة،

دعم القمح البلدي وإلزام الصناعات الغذائية باستخدام أنواع أكثر صحة،

إطلاق حملات توعية واسعة النطاق حول مخاطر الإفراط في الكربوهيدرات المكررة،

وتبني معايير صحية واضحة تصون صحة المواطن بدلًا من التضحية بها تحت ذريعة التكلفة أو العرف الغذائي.

إن الصحة الوطنية ليست منتجًا يمكن تجاهل مخاطره، بل هي رأسمال اجتماعي لا يمكن استعادته بمجرد تراجع المؤشرات الاقتصادية. إن إهمال أثر الخبز الأبيض على الصحة العامة ليس فقط تجاهلًا لعلم الغذاء، بل هو تقصير في مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها الذين ينتظرون سياسات وقائية تحمي حاضرهم ومستقبل أبنائهم.

اللهم ارزقنا وعيًا بما نأكل، وبصيرةً فيما نختار، واحفظ أجسادنا من كل ما يضرّها، ووفقنا إلى الغذاء الطيب الذي يقوّي أبداننا ولا يفسد صحتنا.

المقال التالي