آخر الأخبار

من الحكم الذاتي إلى الدولة الفيدرالية

-انتخابات مبكرة وحكومة ائتلافية لتأمين عودة الصحراويين وتدبير تقرير المصير
مراد بورجى


في خاتمة الجزء الأول من مقالي “من الحكم الذاتي إلى الدولة الفيدرالية”، كانت هناك إشارة سريعة إلى مبدأ “تقرير المصير” وإلى تجربة الحكم الذاتي في ألمانيا التي توسّعت إلى فيدراليات.. هذه الإشارات تتفرع عنها عدة قضايا محورية في المسار السياسي لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء الغربية المغربية…


أول نقطة في “تقرير المصير” هي ضمان العودة لسكان المخيمات إلى مختلف مدن وقرى أقاليم الصحراء الغربية المغربية، وفق منهجية مدروسة تتحرّى السرعة والفاعلية وكل المبادئ الإنسانية، وبإشراك للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية…


وفي هذا المسار، يمكن أن نفهم، دون انفعال ودون تبخيس ودون تضخيم، مسألة تمديد ولاية المينورسو لسنة كاملة ضمن القرار 2797، التي جاءت لتلبية احتياجات جديدة متضمنة في منطوق قرار مجلس الأمن، وعلى رأسها إعادة تفعيل المهام الميدانية التي اضطلعت بها البعثة في تسعينيات القرن الماضي، وهي الإشراف التقني واللوجيستي على موضوع تحديد الهوية. فالتمديد حمل إشارة سياسية واضحة نحو ضرورة تحريك مسار التسوية وإعادة إنتاج الثقة، من خلال آليات عملية على الأرض.


وبين “تقرير المصير” و”التمديد للمينورسو”، يبدو أن المغرب ماض، دون إبطاء، في معالجة مسألة إخلاء مخيمات تندوف من سكانها، التي يمكن اعتبارها خطوة مركزية لطي صفحة النزاع.


لكن نجاحها يمر عبر مقاربة دبلوماسية هادئة تجعل الجزائر، جزءاً من الحل بدل أن تكون مصدر المشكل بالحوار المفتوح والمتفهم والمتفاهم والإيجابي، وهو الأمر الذي جعل الملك محمد السادس يسافر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة فور الإعلان عن القرار الأممي 2797، وبداية مهلة الستين يوماً التي تكلم عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبدء الحوار مع الجارة الجزائر عبر قادة مجلس التعاون الخليجي، وبمقاربة عربية إسلامية،، فباعتبار الجزائر الدولة المضيفة للمخيمات و”المحتجزين” بها، فهي تمتلك معرفة دقيقة بالبنية الديموغرافية للمخيمات، بما في ذلك الأشخاص الذين استُقدموا على مدى عدة عقود من دول إفريقية أو من مناطق داخل الجزائر نفسها. ومن شأن هذه المعرفة أن تساعد في إعادة بعض هؤلاء إلى بلدانهم الأصلية أو استقبال من ترغب منهم فوق أراضيها، في إطار تفاهمات إنسانية تشرف عليها الأمم المتحدة.


وفي هذا المسار، تظهر الأهمية القصوى لبعثة المينورسو، التي لن يعود لها أي دور في مراقبة وقف إطلاق النار، بل ستعود إلى مهمتها الأصلية وهي تنسيق والإشراف على العملية الإنسانية لنقل الراغبين في العودة، ثم في تحديد الهوية. من المؤكد أن مسألة العودة تتطلب مقدرات كافية وقدرات متعاضدة ومتضامنة، حيث يمكن، مثلا، أن تلعب كل من الهلال الأحمر الجزائري والهلال الأحمر المغربي والصليب الأحمر الدولي دورا محوريا باعتبارها مؤسسات أممية ذات خبرات وإمكانيات في عمليات إعادة التوطين ونقل الأشخاص عبر الحدود، لكل من يثبت انتماؤهم إلى الصحراء المغربية، الذين سيتم إدماجهم في مساطر إدارية واضحة، تفضي إلى استخراج المغرب لوثائق الهوية الوطنية وجوازات السفر، انسجاما مع روح القرار 2797، الذي استحضر الحاجة إلى تحسين الظروف الإنسانية وتيسير الحركة والتنقل.
إشراك هذه الهيئات سيضمن أن تتم عملية الانتقال في ظروف تحترم المعايير الإنسانية الدولية، وأن يجري نقل العائلات نحو المغرب، أو نحو بلدانها الأصلية بالنسبة لغير الصحراويين، في إطار منظم وشفاف وتحت إشراف دولي كامل، مما يقطع الطريق على أي توظيف سياسي أو محاولات للتشويش.


ومن شأن هذه المقاربة أن تتيح مخارج سلسة للجميع: فالجزائر ستظهر كطرف يساعد على تهدئة الوضع وتنظيم المسارات الإنسانية. والمغرب يمضي بسرعة في تنفيذ رؤية إنهاء النزاع على أساس الحل السياسي الواقعي والدائم. والأمم المتحدة تستعيد زمام المبادرة عبر أدوار ميدانية ملموسة. والأهم من كل هذا وذاك: إفراغ مخيمات تندوف نهائيا، وإنهاء أي ذريعة لاستعمال “سكان المخيمات” ورقة لعرقلة أو تعطيل مسار التسوية.


فإذا كان القرار 2797 قد منح سنة كاملة لإطلاق دينامية جديدة في مسار التسوية، فإن هذا الأجل سينتهي عمليا في نهاية أكتوبر 2026. لكن المعضلة التي تفرض نفسها بقوة هي أن الانتخابات التشريعية العادية مبرمجة في شتنبر 2026، أي قبل أسابيع قليلة فقط من انتهاء المهلة الأممية. وهذا يعني أن الحكومة، التي سيُفترض أن تُدبر مرحلة الحسم ستنبثق بطريقة آلية من قواعد التنافس الحزبي المعتادة، أي حكومة من حزبين أو ثلاثة أو أربعة، فيما تتجاوز خريطة الأحزاب السياسية المغربية الثلاثين حزبا، والأحزاب الكبرى الأولى منها تسعة أحزاب.


نطرح المعضلة بصيغة سؤال: هل من الممكن ترك ملف بحجم الصحراء، في ظرف أممي حساس ودقيق، يُدار بحكومة تشكلها الموازين الانتخابية التقليدية بما تحمله من تنافسية وصراعات حزبية قد تربك اللحظة التاريخية، وهو ما حذر منه مستشارو الملك خلال لقائهم الأخير برؤساء الأحزاب السياسية (المخلّدون)؟


مهلة السنة الأممية، التي ستنتهي في أكتوبر 2026، والتي في خضمها ستجري كل عمليات التسوية السياسية لملف الصحراء المغربية، تستدعي، في ما أعتقد، الدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، يمكن ألا يتجاوز تنظيمها نهاية فبراير 2026، بعد أن يكون البرلمان قد أقر جميع القوانين ذات الصلة بتنظيم الانتخابات قبل نهاية سنة 2025، ويمكن استثمار الحوار بين القصر وبين الأحزاب السياسية، في بلورة ميثاق وطني جديد يتفق عليه الجميع، ويقوم على ثلاث ركائز مركزية:
أولا، تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تضم المكونات الأساسية للطيف السياسي، تكون مهمتها تدبير المرحلة المفصلية من تنفيذ القرار الأممي ومواكبة مسلسل العودة، وتحديد الهوية، والاندماج المؤسساتي للأقاليم الجنوبية.


ثانيا، تخليق العملية الانتخابية بكل مراحلها، لضمان أكبر قدر من المصداقية والنزاهة، وتوجيه رسالة قوية إلى العالم، الذي يراقب المغرب في هذه الفترة، بأن البلاد جادة في ربط مشروعها السياسي الداخلي، (تنزيل النموذج التنموي الجديد، المشاريع الملكية الكبرى، احتضان كأس العالم) بورش التسوية الأممية.


وثالثا، ضخ دماء جديدة وشابة في المشهد السياسي، وإبعاد الفاسدين ومنعدمي الكفاءة، بما يسمح للجيل الجديد من الأطر والكفاءات المغربية بتحمل المسؤولية في مرحلة تحتاج لروح المبادرة والنزاهة والسرعة في التنفيذ.


العالم سيراقب، بعناية وعن كثب، هذه اللحظة السياسية، الانتخابات التشريعية، التي هي بدورها جزء من تقرير المصير، إنه نوع من اختبار دولي كبير، في مسار إنجاز ورشة إنسانية وسياسية غير مسبوقة (عودة سكان مخيمات تندوف إلى المغرب) تتوافق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وكلما كانت المؤسسات السياسية المغربية أكثر قوة ومصداقية، كلما كان المجتمع الدولي، وعلى رأسه القوى الكبرى، أكثر استعدادا لتوفير الدعم السياسي، التقني والمالي اللازم لإنجاح المرحلة.


وفي اعتقادي، إن تنظيم انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة ائتلاف وطني، ستكون بمثابة استثمار استراتيجي يضمن وحدة القرار السياسي الوطني، خلال الأشهر والسنوات الخمس القادمة التي ستنهي نزاع عمّر نصف قرن، وستحدد ملامح مغرب 2030، مغرب ولي العهد، وبإمكان البلاد أن تقدم للعالم نموذجا مغربيا ناضجا في تدبير التحولات الكبرى.

المقال التالي