حوار.. المحامي أيت بلعربي لـ “مغرب تايمز”: وهبي يفرض قرارات أحادية واستفزازية

قررت جمعية هيئات المحامين بالمغرب استهلال سنة 2026 بالعودة إلى التصعيد في مواجهة وزارة العدل، من خلال إعلان برنامج نضالي احتجاجي ينطلق بتوقف شامل عن تقديم الخدمات المهنية يوم الثلاثاء 6 يناير، رفضاً للصيغة النهائية لمشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة.
ويعيد هذا القرار إلى الواجهة أجواء الاحتقان التي ميزت احتجاجات المحامين خلال سنة 2024، حين خاض أصحاب «البذلة السوداء» معركة طويلة ضد مشاريع تشريعية اعتبروها ماسّة بحق الدفاع واستقلال المهنة.
في هذا السياق، يوضح المحامي والحقوقي رشيد أيت بلعربي، في حوار مع «مغرب تايمز» خلفيات التصعيد وجوهر الخلاف مع وزارة العدل، وانعكاسات مشروع القانون على المحاماة والعدالة.
- ما الذي يحدث داخل قطاع المحاماة حتى وصل الأمر إلى توجيه اتهامات لوزير العدل باتخاذ «قرارات أحادية واستفزازية» في إعداد قانون المهنة؟
يعلم الجميع أن المحامين المغاربة، استجابة لقرارات مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خاضوا معركة طويلة أواخر سنة 2024 ضد استفراد وزارة العدل بكل مشاريع القوانين المرتبطة بعمل المحامي، وفي مقدمتها مشروع قانون المسطرة المدنية، بالنظر لما تضمنه من نصوص تضرب في الصميم حق المتقاضين في الولوج المستنير إلى العدالة، وعلى رأسها حق اللجوء إلى القضاء.
وقد تُوّجت هذه المعركة بإعلان التوقف التام عن أداء المهام المهنية، سواء داخل الجلسات أو في الإجراءات، لمدة أسبوع كامل مع بداية شهر نونبر من السنة نفسها، قبل أن يتم استئناف العمل بعد وساطات برلمانية، مقابل تعهد وزير العدل بنهج مقاربة تشاركية بشأن مشاريع القوانين المرتبطة بعمل المحامي.
وفي هذا الإطار، تم تسليم مكتب الجمعية مشروعي تعديل قانون المسطرة المدنية، الذي كان قد صادق عليه مجلس النواب وينتظر عرضه على مجلس المستشارين، ومشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، على أساس الاستماع إلى ملاحظات المكتب بشأنهما. وقد تم الانكباب فعلاً على مشروع قانون المسطرة المدنية، ثم في مرحلة لاحقة على مشروع قانون المحاماة، غير أن التوافقات التي تم التوصل إليها بخصوص هذا الأخير تم الإخلال بها بشكل غير مسؤول وغير مفهوم من طرف وزير العدل، حسب بلاغات مكتب الجمعية، في الصيغة التي أحالتها الأمانة العامة للحكومة على الوزراء والوزراء المنتدبين وكتاب الدولة، وهو ما أثار غضب المحامين ومؤسساتهم المهنية.
- أين يكمن جوهر الخلاف اليوم بين جمعية هيئات المحامين ووزارة العدل بشأن مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة؟ وهل يتعلق الأمر فقط بإخلال بالاتفاقات السابقة، أم أن مضمون المشروع نفسه يحمل توجهاً جديداً يمس هوية المحاماة واستقلالها؟ وهل نحن أمام موجة احتجاجات مفتوحة شبيهة بما عرفته سنة 2024، أم أن باب التراجع والحوار ما يزال قائماً؟
مكمن الخلاف يتمثل أساساً في إخلال وزير العدل بالاتفاقات التي تمت بينه وبين مكتب الجمعية حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة. لكن الأخطر هو ما يحمله المشروع من محاولة لإخضاع مهنة المحاماة لوصاية مزدوجة، تتقاسمها جهتان:
الأولى، وزارة العدل، التي يُفتح أمامها الباب للتدخل في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بوضعية المحامي، من اجتياز مباراة الولوج إلى معهد تكوين المحامين وصولاً إلى آخر يوم في الممارسة المهنية.
والثانية، النيابة العامة، التي توسع صلاحياتها بشكل كبير، بما في ذلك متابعة المحامي تأديبياً في بعض الحالات.
وهو ما يتنافى كلياً مع هوية المحاماة كمهنة حرة ومستقلة تخضع لتنظيم ذاتي في إطار قانون خاص. والأخطر من ذلك هو التضييق المبالغ فيه على حصانة الدفاع. فبعدما كان القانون الحالي يضمن للمحامي حماية من الاعتقال أو الملاحقة التأديبية أثناء أداء مهامه، أصبح المشروع يتيح اعتقاله أو وضعه تحت الحراسة النظرية قبل إشعار نقيب الهيئة التي ينتمي إليها، وهو ما سيؤثر سلباً على حقوق المتقاضين، إذ تقلص حصانة الدفاع تعني أن المحامي لن يؤدي دوره في الدفاع كما يجب، وسيظل تحت ضغط دائم، ما يضعف حق الدفاع كحق دستوري.
- هناك من يعتبر أن هذا الخلاف مجرد صراع مهني داخلي بين الوزير وأصحاب «البذلة السوداء»، وأن المواطن المتقاضي لا علاقة له به. إلى أي حد ترون هذا الطرح دقيقاً؟ وكيف يمكن أن ينعكس المشروع، في حال تمريره، على حق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة؟
من يقول ذلك لا يعي الغاية الحقيقية من وجود المحاماة. فالمحاماة، قبل أن تكون مهنة، هي رسالة كونية هدفها الدفاع عن الحقوق والحريات. وحق الدفاع شُرع للمتقاضي، وليس للمحامي، ولا يمكن تصوره دون وجود محاماة حرة ومستقلة تتمتع بهامش واسع من الحصانة لتأمينه. مطالبة المحامين بتوسيع مجال الحصانة لا تهدف إلى حماية أنفسهم من الأخطاء، بل لتمكينهم من أداء مهامهم في طمأنينة، بعيداً عن هاجس المتابعات التأديبية أو الاعتقالات، بما يضمن فعالية الدفاع عن المواطنين.
- جمعية هيئات المحامين اعتبرت أن الصيغة النهائية للمشروع تمس باستقلال المهنة ومبادئها الأساسية. كيف يتجلى ذلك عملياً؟
قوة المحاماة لا يمكن تصورها دون استقلالية تامة عن جميع الجهات. والاستقلالية تعني أن يمارس المحامي مهامه بحرية، وأن تتولى الأجهزة المهنية المنتخبة تدبير الشأن المهني وممارسة الرقابة الذاتية في حال وقوع أي خرق للقانون أو أعراف المهنة.
غير أن مشروع القانون الجديد يكسر هذه القاعدة، إذ يمنح وزارة العدل صلاحيات واسعة، تشمل الإشراف على مباراة الولوج لمعهد التكوين، وتكوين المحامين، والإشراف على امتحان التخرج بعد انتهاء فترة التمرين، وتحديد واجبات المحامين المتمرنين، وتبليغ الوزارة بجداول الهيئات سنوياً، وبكل تغيير يطرأ على الوضعية المهنية لأي محامٍ، وحتى العقوبات التأديبية الصادرة بحق المحامين، رغم أن الوزارة ليست طرفاً في هذه الملفات.
- هل ترون أن المشروع لا يراعي المبادئ الكبرى لمهنة المحاماة ودورها الحقوقي؟
نعم، بالتأكيد. أهم المبادئ، وفي مقدمتها الاستقلالية وحصانة الدفاع، سيتم تدميرها بشكل غير مسبوق في تاريخ المحاماة بالمغرب، حتى في أحلك الظروف. وظهرت بوادر واضحة لضرب المحاماة، خاصة بعد الأدوار الكبيرة التي لعبها المحامون في السنوات الأخيرة، من خلال تصديهم للعديد من الخروقات والانتهاكات التي طالت حقوق الإنسان، ولا سيما في ملفات معتقلي حراك الريف، والمعتقلين السياسيين، ومعتقلي حرية الرأي والتعبير، وحراك «GEN Z». وهو خطأ جسيم لن يفيد الدولة، بل سيسيء إلى صورتها وسمعتها الحقوقية.
- إصرار وزير العدل على تمرير هذا المشروع، رغم الرفض المهني الواسع، يثير تساؤلات حول خلفياته، خاصة أنه يأتي في سياق تشريعي عام وُصف بالتراجعي. هل ترون في ذلك بعداً سياسياً يتجاوز تنظيم المهنة؟
الحكومة الحالية تقود ما يمكن وصفه بـ«الهولوكوست التشريعي»، الذي يحرق الحقوق والحريات. فالقوانين الأخيرة، مثل قانون المسطرة المدنية، تضيق على حقوق المتقاضين، ولم ينقذها سوى تدخل المحكمة الدستورية. أما مشروع قانون المحاماة، فالغرض منه واضح، وهو كسر شوكة المحامين الذين وقفوا نداً للند ضد أشكال الاستبداد، عبر استهداف استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع، وتقليص فرص العمل أمام المحامين، وفتح المجال أمام المكاتب الأجنبية للممارسة في المغرب على نطاق واسع.
- ما الخطوات المقبلة بعد التوقف الشامل عن العمل؟
نحن عازمون على إنجاح هذه الخطوة النضالية الأولى، المتمثلة في التوقف الشامل عن أداء مهام الدفاع طيلة اليوم الثلاثاء. وبعد ذلك سننتظر ما ستقرره مؤسساتنا المهنية وطنياً ومحلياً من خطوات نضالية أخرى، هدفها حماية هوية المهنة واستقلاليتها.
- كلمة أخيرة
المحاماة رسالة إنسانية نبيلة هدفها الدفاع عن الحقوق والحريات، باعتبارها أحد أعمدة دولة الحق والقانون. ولا يستقيم أداء هذه الرسالة إلا بضمان استقلالية المهنة عن جميع الجهات. وسيظل دفاع المحامين عن استقلاليتهم دفاعاً عن هويتهم وعقيدتهم الحقوقية، التي لن تتأثر بمشروع قانون أو غيره.
ويشار في نهاية هذا الحوار إلى أن «مغرب تايمز» حاولت الاتصال بالسيد وزير العدل عبد اللطيف وهبي وديوانه لأخذ رأيه أو توضيحه، غير أن جميع المحاولات لم تُسفر عن رد.

تعليقات