الولادات بإقليم أزيلال تكشف هشاشة الخدمات الصحية بالمناطق الوعرة

تحقق إنجاز صحي جديد في عمق جبال الأطلس، لكنه يفتح باب التساؤلات حول الثمن البشري والتحديات الاستثنائية التي ترافق تقديم أبسط الخدمات في المناطق النائية؛ فقد نجح أطر الصحة بإقليم أزيلال في توليد 12 حالة خلال أسبوع، رقم يخفي وراءه قصة كفاح مرير ضد قسوة الجغرافيا وطوق العزلة.
تفاصيل الخبر تكشف صورة معقدة؛ فبينما احتفت ثمانية مراكز صحية قروية بهذه الولادات، جاء توزيعها لافتاً للنظر.
تصدَّر مركز «والوَة» القائمة بثلاث حالات، تلاه مركزا «تاكلفت» و«آيت محمد» بحالتين لكل منهما، بينما اقتصرت المراكز الخمسة المتبقية على ولادة واحدة لكل منها. هذا التفاوت العددي ليس محض صدفة، بل هو مرآة تعكس واقعاً أعمق.
فوراء كل مركز من المراكز التي سجلت حالة واحدة فقط، تقف سلسلة من العوائق غير المرئية في التقرير الرسمي؛ طرق وعرة تتحول إلى قطائع كاملة في فصل الشتاء، نقص في الكوادر يمنع استقبال حالات متعددة بشكل متزامن، أو شح في المعدات الأساسية التي تحوّل كل ولادة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا لو تزامنت حالتا ولادة في مركز «آيت مازيغ» أو «تبانت» النائي؟
التضاريس الوعرة التي تميز إقليم أزيلال لا تشكل مجرد إطار طبيعي خلاب، بل هي عامل حاسم في تشكيل الخريطة الصحية؛ فهي تحدد هامش الوصول، تضاعف كلفة الإمداد، تقيّد حركة الكوادر، وتحوّل أي طارئ صحي محتمل إلى قضية حياة أو موت. النجاح في إتمام 12 ولادة هو شهادة على تفاني وإنسانية الفريق الصحي، ولكنه في الوقت ذاته دليل صارخ على محدودية البنية التحتية الحالية في استيعاب طموحات سكان هذه المناطق وأحقية حصولهم على رعاية صحية مضمونة ومتساوية.
التركيز الإعلامي على «النجاح» و«الظروف الصحية الملائمة» للمواليد الجدد يظل ناقصاً ما لم يقترن بتسليط الضوء الحازم على «الظروف اللوجستية القاسية» التي تواجهها الأمهات والطواقم الطبية على حد سواء. فالولادة الآمنة ليست مجرد لحظة تتم في غرفة نظيفة، بل هي رحلة محفوفة بالمخاطر تبدأ بمغامرة التنقل عبر مسالك جبلية شبه منعدمة، وتستدعي توفر سيارة إسعاف قد لا تصل في الوقت المناسب، وتعتمد بالكامل على طاقم طبي قد يكون الوحيد لخدمة عشرات الدواوير المتناثرة على مساحات شاسعة.
الحالات الـ 12 تذكّر بأن السياسات الصحية المركزية يجب أن تُعاد صياغتها من منظور «العدالة الجغرافية»؛ فالدعم لا يجب أن يكون متساوياً فحسب، بل متناسباً مع درجة الصعوبة والتحدي. ربما حان الوقت لأن يكون للمركز الصحي في «تيلوكيت» أو «آيت تامليل» موازنة وتجهيز أكبر من مركز في منطقة يسهل الوصول إليها، تعويضاً عن عزلته القسرية وتحدياته الطبيعية الفائقة.
المواليد الجدد يمثلون أمل المستقبل، وضمان مستقبلهم يبدأ بضمان استمرارية وتطوير الخدمات الصحية التي استقبلتهم إلى الحياة. لا يجب أن يُخفي نجاح اليوم الحاجة الملحة لاستثمار استثنائي في بنية تحتية صحية تتحدى التضاريس، توفر النقل الطارئ الآمن، وتجذب الكفاءات الطبية، لضمان أن يكون الحق في الصحة حقاً فعلياً للجميع، بغض النظر عن بعد مكان سكنهم أو وعورة الطريق المؤدي إليه.

تعليقات