آخر الأخبار

ترامب والنفط.. هل كانت الثروات الفنزويلية الدافع الحقيقي وراء إسقاط مادورو؟

يبحث المراقبون في دوائر صنع القرار بواشنطن عن جذور القرار الأمريكي الحاسم الذي أنهى عهد نيكولاس مادورو، متسائلين: هل كان الدافع إنسانياً أم أن حسابات الطاقة والاقتصاد كانت المحرك الأقوى؟

وقعت العملية العسكرية التي أفضت إلى اعتقال مادورو يوم السبت، في توقيت يتزامن مع تصاعد النقاش الاستراتيجي الأمريكي حول أمن الطاقة والهيمنة في نصف الكرة الأرضية الغربي. محللون يرون أن هذا التزامن ليس بريئاً، بل يعكس أولوية واضحة في التفكير الأمريكي.

ويقول مصدر مطلع مختص في الشؤون الجيوسياسية للطاقة: «التوقيت يكشف النية. كانت واشنطن تراقب تدهور إنتاج فنزويلا لسنوات، لكن تحولها إلى خزان كبير غير مستغل أصبح يشكل إغراءً لا يقاوم في ظل تحولات السوق العالمية والرغبة في تقليل الاعتماد على مناطق مضطربة أخرى». هذا التحليل يضع الثروة النفطية في صلب المعادلة.

وعلى مدار عقدين، حولت العقوبات الأمريكية والإدارة السيئة قطاع النفط الفنزويلي من مصدر للثروة إلى رمز للإهدار، حيث انخفض الإنتاج بأكثر من 80% منذ ذروته. هذا الانهيار نفسه أصبح، في نظر بعض الاستراتيجيين الأمريكيين، فرصة تاريخية لإعادة البناء وفق شروط جديدة تحابي المصالح الأمريكية.

ويضيف محلل اقتصادي تحدث معه «مغرب تايمز» وفضل عدم ذكر اسمه: «السياق العالمي حاسم لفهم القرار. مع انحسار النفوذ الروسي نسبياً وتوتر العلاقات مع بعض المصدرين التقليديين، ظهرت فنزويلا كأكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يمكن إدراجه، نظرياً، في الفلك الغربي. الاستحواذ على هذا الرافد يعني إعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة». وهو ما يكشف البعد الجيوسياسي العميق.

وبعيداً عن الخطاب الرسمي حول استعادة الديمقراطية، تشير وثائق وتصريحات سابقة داخل الأوساط الأمريكية إلى أن «تحرير» هذا الاحتياطي كان دائماً عنصراً ضمن سيناريوهات متعددة للنخبة السياسية. فالقدرة على ضخ كميات هائلة من النفط الفنزويلي تمنح واشنطن أدوات ضغط كبيرة على أوبك وعلى الأسعار العالمية.

ويرى مراقبون أن عملية القبض على مادورو لم تكن سوى الخطوة العملية الأكثر حسماً لتمهيد الطريق أمام هذا الهدف الاقتصادي الطموح. إزالة العقبة السياسية الرئيسية، المتمثلة في نظام مادورو الذي كان يراهن على تحالفات مع منافسي واشنطن، كانت ضرورية لأي عملية إعادة إعمار تقودها الشركات الأمريكية.

لكن هذا التفسير لا ينفي تعقيد المشهد، فالدوافع نادراً ما تكون أحادية في السياسة الدولية. ويقول دبلوماسي أوروبي سابق: «من السذاجة اختزال الأمر في النفط وحده، ولكن من السذاجة أيضاً تجاهل هذا العامل العملاق. إنه مزيج من الرغبة في تقديم نموذج انتصار داخلي، والحد من النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، وبالطبع السيطرة على تدفق الطاقة. النفط هو العامل الذي يجعل كل هذه الأهداف الأخرى مجدية من الناحية المادية».

وتعزز هذه القراءة ما تم الكشف عنه من خطط لإغراق فنزويلا باستثمارات أمريكية ضخمة في قطاع الطاقة مباشرة بعد تغيير النظام. فالوعد بمليارات الدولارات لإعادة الإعمار، الذي تحدث عنه ترامب بنفسه، يبدو وكأنه الجزء الاقتصادي من خطة سياسية عسكرية متكاملة.

وبينما تُعلّق أعلام الديمقراطية على واجهة العملية، تشير القراءة التحليلية المتأنية إلى أن محركها الأساسي قد يكون جشعاً أكثر منه مبادئ. إنها معادلة قديمة في العلاقات الدولية، حيث تختلط المثل العليا بالمصالح المادية، وغالباً ما تنتهي الغلبة للأخيرة، خاصة عندما تكون بقيمة تريليونات البراميل من النفط.

يبقى سؤال العنوان مفتوحاً، لكن ثقل الأدلة والمصالح الملموسة يميل بكفة الميزان نحو تفسير يرى في النفط القلب النابض للعملية. فالديمقراطية قد تكون الذريعة، لكن إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية تبدو الهدف الاستراتيجي الأعمق والأكثر ديمومة.

المقال التالي