النفط الفنزويلي بين واشنطن وأوبك: حين تتحول الطاقة إلى أداة كسر عظم جيوسياسي

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
لم يعد ملف النفط الفنزويلي مجرد قضية اقتصادية عالقة بين العقوبات والإنتاج، بل تحوّل في الآونة الأخيرة إلى ورقة ضغط استراتيجية ضمن صراع دولي أوسع على النفوذ، تعيد فيه الولايات المتحدة ترتيب أدواتها خارج الأطر التقليدية للسوق. الحديث عن تسويق النفط الفنزويلي عبر القنوات الأميركية ولصالح دول حليفة يكشف عن تحوّل جوهري في كيفية إدارة واشنطن لملف الطاقة عالميًا.
الولايات المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها حارسًا لحرية السوق وآليات العرض والطلب، تبدو اليوم أكثر استعدادًا للتدخل المباشر، ليس فقط لضمان أمن الطاقة لحلفائها، بل لإعادة ضبط موازين القوة داخل سوق النفط نفسه. هذا التحول لا ينفصل عن التوتر المتراكم مع تكتلات منتجة كبرى، وفي مقدمتها منظمة أوبك، التي لم تعد تُقرأ في واشنطن كمجرد كيان اقتصادي، بل كلاعب سياسي قادر على التأثير في ملفات تتجاوز الطاقة إلى الأمن والسيادة.
إعادة إدخال النفط الفنزويلي إلى السوق الدولية بهذه الصيغة تحمل أكثر من رسالة. فمن جهة، تمثل محاولة لكسر العزلة المفروضة على فنزويلا بشروط أميركية، تجعل من مواردها الطاقية أداة بيد الخارج لا رافعة سيادية مستقلة. ومن جهة أخرى، تشكل ضغطًا مباشرًا على الدول التي تعتمد بشكل شبه كلي على العائدات النفطية، دون أن تنجح في بناء اقتصادات بديلة قادرة على امتصاص الصدمات.
وهنا يفرض سؤال سياسي نفسه بإلحاح على الدول المنتجة للنفط، خاصة العربية والخليجية: هل أُخذ هذا التحول الأميركي المحتمل بالحسبان ضمن استراتيجياتها الاقتصادية بعيدة المدى؟ وماذا لو تحوّل التدخل في سوق الطاقة إلى سياسة دائمة تُستخدم لإغراق الأسعار وتفكيك مراكز النفوذ التقليدية؟ هل تملك هذه الدول بدائل حقيقية تحمي ميزانياتها وسيادتها الاقتصادية، أم أنها ما زالت تراهن على توازنات لم تعد تحكم السوق العالمي؟ إن الخطر لا يكمن فقط في تراجع الأسعار، بل في انتقال قرار التحكم من المنتج إلى الفاعل الجيوسياسي الأقوى.
المعادلة هنا ليست سعر البرميل فقط، بل التحكم في مصادر الإمداد واتجاهاتها. فحين تتوسع دائرة العرض بفعل قرارات سياسية، يصبح الاستقرار السعري هشًا، وتفقد الدول المنتجة جزءًا من قدرتها على التخطيط المالي طويل الأمد. وهذا ما يضع اقتصادات ريعية عديدة أمام واقع جديد: عالم لا يضمن أسعارًا مرتفعة ولا شراكات دائمة.
الأخطر في هذا المسار أن النفط، الذي ظل لعقود سلعة استراتيجية محكومة بتوازنات دقيقة، يتحول تدريجيًا إلى أداة صراع مفتوح. فبدل أن يكون عامل استقرار نسبي، بات جزءًا من لعبة كسر الإرادات بين القوى الكبرى، حيث يُستخدم لفرض الاصطفافات ومعاقبة الخصوم وإعادة رسم التحالفات.
في هذا السياق، تجد فنزويلا نفسها نموذجًا صارخًا لدولة غنية بالموارد، فقيرة بالخيارات. فثروتها النفطية، بدل أن تكون مدخلًا للتنمية والسيادة، تحولت إلى عبء سياسي، وإلى ورقة تُتداول بين العواصم الكبرى. وهو مصير يهدد دولًا أخرى لم تستوعب بعد أن عصر “النفط الآمن” يقترب من نهايته.
الخلاصة أن ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة في سوق الطاقة، بل بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة مفهوم القوة الاقتصادية. الدول التي تكتفي بمراقبة المشهد دون مراجعة نماذجها التنموية، قد تجد نفسها خارج اللعبة، في عالم لم يعد ينتظر المتأخرين عن قراءة التحولات الكبرى.

تعليقات